تحالفات جديدة.. تصدع ضمانات أمريكا يشعل السباق النووي العالمي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لعبت الولايات المتحدة دور الحارس الفعلي للنظام النووي العالمي، مسهلة عبره استقراراً دولياً هشاً، قائمًا على معايير صارمة لرفض الاستخدام والحد من الانتشار والسيطرة على الترسانات.
عبر هذه الشبكة المعقدة من الضمانات الأمنية والتعاون الدولي، نجحت واشنطن لعقود في تقليص مخاطر الانتشار النووي، محققة توازنًا هشًا بين القوى الكبرى وأطراف النزاعات، ومحدودة انتشار الأسلحة إلى أقل من نصف ما كانت التقديرات الأولية تتوقعه.
أزمة عميقة؟
وبحسب مجلة فورين بوليسي، فإن النظام النووي العالمي والذي يعد أحد الركائز الخفية للاستقرار الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، يقف اليوم على حافة أزمة عميقة، حيث تتسارع وتيرة تصدّع أركانه تحت ضغط عوامل متعددة أبرزها انهيار اتفاقيات الحد من التسلح مع روسيا، والتوسع النووي الصيني السريع، وتقوض نظام منع الانتشار العالمي.
وقد شكلت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أحد أبرز عوامل هذا التفكك، ناهيك عن تشكيك الحلفاء في مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية وتراجع واشنطن عن قيادة الجهود غير الانتشارية.
ورداً على هذا التحول، بدأ حلفاء واشنطن التقليديون في التحرك نحو تأمين أنفسهم في إطار نظام نووي محتمل «ما بعد أمريكا».
ولطالما كان الإنجاز الأكبر للنظام القديم هو احتواء الانتشار النووي؛ فبعد توقعات بوجود 20 دولة نووية بحلول منتصف الستينيات، ظهرت تسع دول فقط. وويعود الفضل في ذلك إلى شبكة معقدة من الضمانات الأمنية الأمريكية، والتعاون مع روسيا لإنشاء معاهدة عدم الانتشار، وحملات العقوبات ومكافحة الانتشار.
اليوم، يواجه هذا الإرث تحدياً وجودياً. ففي أوروبا، أثارت تصريحات ترامب المشككة في التزامات الناتو، وسحب بعض القوات، مخاوف جدية. وفي الوقت نفسه، يتداعى نظام العقوبات على إيران مع تجاهل روسيا والصين علناً لقرارات الأمم المتحدة. بل إن مواقف واشنطن نفسها أصبحت غامضة، حيث دافع ترامب ومسؤولون كبار عن حق الحلفاء في امتلاك أسلحتهم النووية.
خطوات موازية
ففي أوروبا، تتصاعد الخطوات الموازية؛ فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا – الدولتان النوويتان في القارة – «إعلان نورثوود» لتنسيق السياسات النووية.
كما وقعت بولندا، التي تشهد نقاشاً داخلياً حاداً حول خياراتها النووية، معاهدة تعاون عسكري وتقني نووي مدني مع فرنسا.
وحتى في أروقة الاتحاد الأوروبي، تجدد النقاش حول بند التضامن الأوروبي ودفاع مستقل، مدفوعاً بأصوات مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس.
هذه التحالفات الجديدة تحمل وجهين؛ فمن ناحية، قد تكون وسائل لتعزيز الردع دون اللجوء لتطوير أسلحة نووية محلية، حيث تجد دول مثل السعودية وبولندا «رعاة نوويين» بديلين.
لكن من ناحية أخرى، قد تمهد الطريق لموجة انتشار جديدة، إما من خلال تقاسم التكنولوجيا أو توفير «مظلة أمنية» تسمح لدول بتطوير برامجها تحت حماية ردع مشترك.
والمخاطر المترتبة عميقة. فحتى بدون ظهور دول نووية جديدة، قد يؤدي «الانتشار العمودي» إلى توسيع ونوعية الترسانات القائمة. وقد تستخدم باكستان التزامها الجديد تجاه السعودية لتبرير ترسانة أكبر، مما قد يدفع الهند للرد بالمثل.
تحديات جوهرية
كما ستواجه القوى النووية «الراعية» الجديدة تحدياً جوهرياً في إثبات مصداقية التزامها باستخدام السلاح النووي دفاعاً عن حلفائها – وهو التحدي نفسه الذي واجهته الولايات المتحدة لعقود.
وترى المجلة أن بطء حركة السياسات النووية يمنح واشنطن فرصة للتصحيح، إذ يمكن لإدارة ترامب أن تعزز الالتزامات التحالفية، وتوضح رفضها لانتشار الأسلحة النووية بين الحلفاء، وتنشط الدبلوماسية تجاه إيران.
لكنها إذا اختارت التسامح مع انتشار نووي حليف، أو تشجيع تحويل أعباء الدفاع، فإن النظام الجديد «ما بعد أمريكا» قد يتشكل بسرعة، حاملاً معه مخاطر عدم استقرار إقليمي، وسباقات تسلح جديدة، وتوسع النادي النووي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMjE0IA==
جزيرة ام اند امز