خدعة وفرة النفط.. الأسواق أمام معادلة مقلقة
تشهد أسعار النفط ارتفاعا متواصلا منذ أكثر من أسبوع مع تجدد الحرب الإيرانية، ورغم الحديث خلال الأسابيع الماضية عن تخمة مرتقبة في المعروض العالمي، فإن واقع السوق يشير إلى اتجاه مغاير تماما.
إذ بدأت مؤشرات شح الإمدادات في الظهور مجددا، بما ينذر باستمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، في ظل تزايد المخاوف الجيوسياسية.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، سارع محللون إلى التحذير من تخمة نفطية تلوح في الأفق، مستندين إلى التعافي السريع لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز في ظل الهدنة التي سادت مؤقتا بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما عزز التوقعات بعودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.
غير أن تلك الهدنة لم تصمد طويلا، إذ انهارت سريعا على نحو فاجأ معظم المتابعين لمسار السوق، لتعود حركة المرور عبر مضيق هرمز إلى حالة من الاضطراب، وتتراجع وتيرة عبور ناقلات النفط، بالتزامن مع تصاعد المواجهات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، في وقت تتسارع فيه وتيرة السحب من المخزونات النفطية العالمية.
وفي هذا السياق، قال نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق، المهندس مدحت يوسف، لـ"العين الإخبارية"، إن ما تشهده الأسواق العالمية يمثل "صدمة مزدوجة"، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على ارتفاع أسعار النفط الخام، بل امتد إلى نقص واضح في المنتجات البترولية نتيجة تراجع قدرات التكرير في عدد من الدول.

وأوضح أن التوترات العسكرية واحتمالات تعطل الملاحة في مضيق هرمز رفعت تكلفة الوقود بوتيرة أكبر من ارتفاع أسعار خام برنت، وهو ما يجعل متابعة أسعار المنتجات البترولية أكثر أهمية من متابعة سعر الخام وحده.
مخزونات الطوارئ
وفي محاولة لطمأنة الأسواق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية، الثلاثاء، أن الدول الأعضاء لا تزال تمتلك مخزونات نفطية طارئة كبيرة، رغم تنفيذ أكبر عملية منسقة في التاريخ للسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.
وأوضحت الوكالة أن الدول الأعضاء أفرجت عن نحو 290 مليون برميل من النفط منذ الإعلان عن السحب في 11 مارس/آذار، فيما لا تزال تحتفظ بأكثر من مليار برميل من المخزونات المخصصة للطوارئ.

كما وافقت وكالة الطاقة الدولية على الإفراج عن كمية قياسية تبلغ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، بعد الارتفاع الحاد الذي شهدته أسعار النفط العالمية نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
ورغم هذه الإجراءات، أكدت الوكالة في تقريرها الشهري أن إمدادات النفط العالمية، التي انتعشت خلال يونيو/حزيران بنحو 4.1 مليون برميل يوميا بفضل الهدنة المؤقتة، ما زالت أقل بنحو 9.4 مليون برميل يوميا مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب.
السحب مستمر
وأظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية استمرار السحب من المخزونات العالمية، فعلى الرغم من ارتفاع ما يعرف بـ"المخزونات النفطية العالمية المرصودة" بمقدار 21 مليون برميل خلال يونيو/حزيران، فإن مخزونات النفط الخام لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تراجعت بمقدار 62 مليون برميل، بعد انخفاض بلغ 73 مليون برميل في الشهر السابق، وهو ما يعكس استمرار الضغوط على جانب الإمدادات.

ولا تقتصر الضغوط على المخزونات التجارية فقط، إذ تقترب الولايات المتحدة بدورها من مستويات حرجة في منشآت التخزين، نتيجة عمليات السحب المكثفة منذ اندلاع الحرب مع إيران، بحسب موقع OilPrice.
كما دفعت عمليات السحب المتواصلة المخزونات في مركز كوشينغ بولاية أوكلاهوما إلى الحد الأدنى من مستويات التشغيل، وفق ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال في يوليو/تموز، وهو ما يجعل أي سحب إضافي من هذه المنشأة محفوفًا بالمخاطر، خشية الإضرار بالبنية التشغيلية للخزانات.

وزادت المخاوف بعدما أشارت الصحيفة إلى أن مخزونات الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي هبطت إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1983، في مؤشر يعكس حجم الضغوط التي تواجهها السوق العالمية.
وقال رئيس شركة ليبو أويل أسوشيتس، في تصريحات نقلتها وول ستريت جورنال: "قد تتحقق أسوأ مخاوف سوق النفط في وقت لاحق من هذا العام مع اقترابنا من الحد الأدنى لمستويات التشغيل".
وأضاف: "الطريقة الوحيدة لإعادة التوازن إلى الأسعار هي ارتفاعها إلى مستويات تؤدي إلى تدمير الطلب، فبمجرد نفاد المخزونات لن يبقى أمام السوق أي خيار آخر".
أزمة الوقود
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الضغوط لا تقتصر على سوق النفط الخام، بل تمتد بصورة أكبر إلى أسواق الوقود، في ظل استمرار محدودية الإمدادات من المنتجات المكررة.
فقد ارتفع هامش ربح تكرير البنزين، وهو الفرق بين سعر النفط الخام وسعر الوقود، إلى 0.90 دولار للغالون منذ بداية يوليو/تموز، وفق ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال.

ورغم تداول خام غرب تكساس الوسيط عند نحو 80 دولارا للبرميل، بزيادة تقارب 18% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، فإن أسعار البنزين ارتفعت بنسبة 32% مقارنة بنهاية فبراير/شباط، بحسب بيانات نقلتها الصحيفة عن مؤسسة OPIS المتخصصة في أسواق الطاقة.
ويعكس هذا التفاوت واقعا مختلفا داخل سوق الطاقة، إذ لم تعد أزمة الأسعار مرتبطة بالنفط الخام وحده، وإنما أصبحت ناتجة بصورة متزايدة عن نقص المنتجات البترولية المكررة.
ويرجع جانب من هذا التفاوت إلى أن الصين تمكنت من الحد من تأثير صدمة أسعار النفط الخام، بعدما خفضت وارداتها بصورة ملحوظة عقب إغلاق إيران لمضيق هرمز ردا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية، مستفيدة من مخزون نفطي ضخم كانت قد كونته مسبقا لمواجهة اضطرابات الإمدادات.

في المقابل، لم يكن هناك مخزون مماثل من الوقود المكرر، وهو ما جعل الأسواق أكثر عرضة للضغوط، خاصة مع تعرض عدد من مصافي التكرير في الشرق الأوسط لأضرار مباشرة بسبب الحرب.
وفي الوقت نفسه، أدت هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية داخل روسيا إلى تعطيل جزء من الطاقة التكريرية، الأمر الذي دفع موسكو إلى فرض قيود على صادرات الديزل، لتزداد الضغوط على سوق الوقود العالمية.
ولهذا، فإن أي تراجع محتمل في أسعار النفط الخام خلال الفترة المقبلة، حتى وإن جاء نتيجة تطورات سياسية أو تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لن ينعكس بالضرورة بصورة فورية على أسعار الوقود، في ظل استمرار نقص المعروض من المنتجات المكررة.
ماذا عن المصافي؟
ووفقا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، عالجت مصافي الشرق الأوسط خلال الربع الثاني من العام الجاري كميات من النفط الخام تقل بنحو 20% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
أما في روسيا فقد أدت الهجمات بالطائرات المسيّرة إلى تعطيل ما يقدر بنحو 25% من قدرات التكرير، الأمر الذي تسبب في فرض حظر على صادرات الديزل، رغم أن روسيا توفر في المتوسط نحو 11% من إمدادات الديزل العالمية.

ويؤدي هذا التراجع في طاقات التكرير إلى زيادة الضغوط على سوق الوقود، حتى في حال تحسن إمدادات النفط الخام، وهو ما يفسر استمرار ارتفاع أسعار البنزين والديزل بوتيرة تفوق ارتفاع أسعار النفط.
وفي هذا الإطار، أوضح نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق، لـ"العين الإخبارية"، المهندس مدحت يوسف، أن الأزمة الحالية ترتبط بعوامل جيوسياسية قد تتراجع حال نجاح الجهود الدبلوماسية، لكنه توقع استمرار ارتفاع أسعار الوقود عالميًا لبعض الوقت، نظرًا إلى أن استعادة طاقات التكرير تحتاج إلى فترة زمنية.
ورجح أن يكون تثبيت أسعار الوقود في مصر هو السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة، إلى حين اتضاح اتجاهات الأسواق العالمية واستقرار أوضاع الإمدادات.
90 دولارا.. مستوى مفصلي
ويرى مدير مركز المتوسط للدراسات، أحمد رفيق عوض، أن وصول أسعار النفط إلى مستوى 90 دولارا للبرميل يمثل مؤشرا بالغ الخطورة، لما يترتب عليه من انعكاسات مباشرة على أسعار الغذاء والنقل والطاقة، فضلًا عن زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات العالمية.
وقال لـ"العين الإخبارية" إن استمرار التوترات حول مضيق هرمز يرفع مستوى المخاطر على حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، محذرا من أن أي اضطرابات ممتدة قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى إذا لم تنجح الجهود السياسية في احتواء الأزمة.
وأضاف أن العالم يدخل مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع معادلات الطاقة، وهو ما يجعل توقع اتجاهات الأسعار أكثر تعقيدًا خلال الفترة المقبلة، في ظل تغير المعطيات بصورة متسارعة.
ويرى محللون أن مستقبل سوق النفط خلال الأشهر المقبلة سيتحدد وفق 3 عوامل رئيسية، تتمثل في تطورات المواجهات العسكرية، وحجم السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، وسرعة استعادة طاقات التكرير المتضررة.
وفي حال استمرار التصعيد أو تعطل الإمدادات لفترة طويلة، فقد تعود أسعار خام برنت لتجاوز مستوى 90 دولارا للبرميل، بينما قد تسهم أي انفراجة دبلوماسية في تهدئة الأسواق تدريجيا، وإن كانت أسعار الوقود مرشحة للبقاء عند مستويات مرتفعة بسبب استمرار محدودية المعروض من المنتجات المكررة.
ومنذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير/شباط، تعرضت أسواق الطاقة العالمية لاضطرابات واسعة، دفعت أسعار النفط إلى تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل خلال شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار، بعدما أوقفت إيران إلى حد كبير حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة النفط العالمية.
وحذرت صحيفة فايننشال تايمز من أن المخزونات النفطية العالمية، التي أسهمت في احتواء الصدمة خلال المراحل الأولى من الحرب، بدأت تتآكل بصورة ملحوظة، وهو ما يقلص هوامش الأمان المتاحة أمام الاقتصادات الغربية لمواجهة أي اضطرابات جديدة في الإمدادات.
ونقلت الصحيفة عن المدير الإداري في شركة كلير فيو إنيرجي، كيفن بوك، قوله: "أي نقص في النفط قد يتحول إلى أزمة وقود."
وأضاف: "بدأت الأزمة الحالية بالفعل بهذا الشكل، إذ أدى تعطل حركة السفن إلى تفاقم آثار إغلاق المصافي في روسيا، إلى جانب خفض معدلات التكرير في الصين. وإذا استمر الصراع، فمن المرجح أن تتفاقم أزمة الوقود العالمية."
وتكشف المؤشرات الحالية أن سوق الطاقة يمر بمرحلة تختلف عن الأزمات التقليدية، إذ لم يعد النفط الخام وحده هو المحرك الرئيسي للأسعار، بل أصبحت قدرة المصافي على إنتاج الوقود، ومستويات المخزونات الاستراتيجية، واستمرار الاضطرابات الجيوسياسية، عوامل أكثر تأثيرا في رسم ملامح السوق.
وبينما قد تنجح الدبلوماسية في تهدئة أسعار الخام، تبدو أسعار الوقود مرشحة للبقاء مرتفعة لفترة أطول، ما لم تستعد طاقات التكرير العالمية كامل قدرتها التشغيلية.