سياسة

الاستراتيجية الأمثل لمحاربة داعش

الأحد 2018.7.29 09:28 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 581قراءة
  • 0 تعليق
حسين الشيخ

يبدو أنه وعلى الرغم من دحر تنظيم داعش عسكريا في العراق وسوريا؛ إلا أن لحظة الخلاص النهائي من براثن هذه الجماعة المتوحشة لم تحن حتى الآن.

ما حدث في مدينة السويداء جنوب سوريا ينذر بخطورة الأسلوب القديم الجديد لتنظيم داعش المتطرف، حيث مئات القتلى إثر هجومه على الآمنين في ريف المدينة.

ماقام به داعش في السويداء يقودنا للسؤال الملح والذي يحتاج للإجابة السريعة؛ هل أعدت الدول المحاربة التنظيم المتطرف والتي تجاوز عددها الـ60 دولة خطة تخليص الأجيال من سلوكه !؟ .

نستطيع القول إن داعش انهزم واندحر، ولكن من المبكر جدا القول إن التنظيم قد اندثر، فإن خمدت ناره عمليا وواقعيا كوجود ظاهر على الأرض؛ إلا أنه كفكر ترك من الجمر تحت الرماد  الكثير، جمرات ستستعر عند أول هبة ريح، فلابد من التنبه والإسراع في المعالجة الجدية.

في الحقيقة لم يتخط مجهود هذه الدول المجال العسكري منذ ظهور التنظيم, إذ اقتصر على السلاح فقط لاجتثاث هذا الجسم الغريب في جسد الإنسانية، وليس بالسلاح وحده يُقضى على داعش، ولعل التجارب القديمة مع التنظيمات المتطرفة (القاعدة، وتنظيمات شيعية أخرى ظهرت بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق)، تثبت قدرة هذه التنظيمات على إعادة هيكلة نفسها ولملمة صفوفها والعودة إلى الواجهة من جديد، وما داعش إلا أنموذج من تلك النماذج.

مرحلة ما بعد داعش –مرحلة القوة الظاهرة - تُعد مرحلة خطيرة لا تقل خطورة عن مرحلة وجوده إن لم تكن أخطر، إذ تضع العالم أجمع أمام تحديات حقيقية وصعبة، ولعل أبرزها وأهمها القضاء على فكر داعش الذي عمل على غرسه في نفوس وعقول من أخضعهم لسيطرته، وما يضعنا أمام هذا التحدي بجدية وخطر واقعي هو بقايا الفكر الداعشي، فمن المعلوم لدى الجميع أن داعش لم يترك مجالاً ولا وسيلة إلا واستخدمها ليضمن بقاءه أطول فترة زمنية ممكنة، فاعتمد أساليب مختلفة ليحقق هذا الطموح الذي يعلم جيداً ألا سبيل له بتحقيقه إلا بترسيخ فكره وأيديولوجيته الإرهابية، فالفكر الداعشي فكر دخيل لا يقبله المجتمع البسيط الطيب الذي خضع له، لأنه يتنافى وقيم بساطته وطيبته التي نشأ عليها، فالأمن والأمان والتسامح ثقافة أغلب المجتمعات التي خضعت له، وبالتالي فإن هذه من العقبات التي أدركها التنظيم الإرهابي، وأدرك صعوبة استيلائه على فكر وقلوب الناس الذين ولدوا وتربوا على هذه القيم؛ لذلك وجه جل اهتمامه على استغلال الطفولة لتنشئة الأطفال على فكره، فعمل أولا على سياسة فرض تعاليمه وذلك بمنع المدارس وحرق المناهج التعليمية القائمة، وحصر العملية التربوية بمؤسساته ومناهجه وبمن استقدمهم ويثق بهم من جماعته للتعليم، كما مارس التجويع وتفقير الناس ليضطروا لدفع أولادهم لمدارس داعش، كما عمل على استغلال فئة الشباب من الجهلة والفقراء والعاطلين عن العمل، وغرر بهم مستغلا جهلهم وفقرهم ليحملوا لواءه  .

مع كل هذا لا شك بأن الأمر ليس سهلا ولكن مهما بلغ من الصعوبة اليوم يظل هينا أمام ما يمكن أن يجلبه في المستقبل من تحديات أكبر على جميع المستويات، وأول هذه المخاطر المترتبة على هذا الإهمال أننا إذا كنا اليوم قد واجهنا تنظيما دخيلا قد نواجه غدا تنظيما أصيلا، وإذا كنا اليوم نواجه فكرا مزروعا بالكراهة والقوة والإغراء بالمال وفرض سياسة الأمر الواقع سنواجه غدا فكرا نشأ عليه أصحابه ولم يكن زراعة وقسرا.

وما حدث في السويداء لهو الدليل الأبرز لتحديات هذه المرحلة التي بدأت أولى نُذرها بالظهور في جريمة بشعة قام بها هذا التنظيم الإرهابي مستغلاً شبانا في مقتبل العمر ربما كانوا في الأمس القريب أطفالا أعدهم لمثل هذه الأعمال الوحشية؛ لذلك نحن أمام تحد خطير جدا يجب الإسراع في مواجهته، على أن تتم المواجهة بعدة أمور وأساليب منها :

أولا: التكاتف بين الجميع (المجتمع، المنظمات المحلية سواء في العراق أو سوريا، المنظمات الدولية، الإعلام)  لدعم شريحة الأطفال والشباب المغرر بهم وتنفيذ البرامج التوعوية ومراكز إعادة التأهيل، وعدم تركهم من دون رعاية نفسية وتعليمية وفكرية وبذلك ملء الفراغ لديهم بما يسهم بإعادتهم إلى سابق عهدهم غير المتطرف.

ثانيا: العمل على عودة المؤسسات التربوية والتعليمية بالسرعة القصوى، وإيلائها جانبا مهما برفدها بالكفاءات العلمية والكوادر النشطة، إذ لا بد من اتباع أساليب خاصة في إدارة عمل هذه المؤسسات، فقد لا تجدي نفعاً الطريقة التربوية التقليدية مع هؤلاء الأطفال .

ثالثا: العمل على تكثيف البرامج التوعوية للمجتمع ككل ليحتوي هذه الشريحة ويساعدها في التخلص من الرواسب التي علقت بها، وإعادتها إلى نسيجها المجتمعي الحقيقي وفق قيمه وفكره الطبيعي .

رابعا: والأهم هو مراقبة المحتوى الديني الذي يصل إلى المتلقي عبر الخطب والمحاضرات الدينية.

خامسا: الحرص على عدم استفزاز الآخرين بنقد معتقداتهم مهما تكن هذه العقيدة واحترام الآخر بما يحقق الراحة النفسية للبشرية على مساحة المعمورة، وهذا من شأنه خلق فرص سلام أكبر بين المجتمعات.

نستطيع القول إن داعش انهزم واندحر ولكن من المبكر جدا القول إن التنظيم قد اندثر، فإن خمدت ناره عمليا وواقعيا كوجود ظاهر على الأرض؛ إلا أنه كفكر ترك من الجمر تحت الرماد  الكثير، جمرات ستستعر عند أول هبة ريح، فلا بد من التنبه والإسراع في المعالجة الجدية وفق العقلية العلمية الدقيقة لا العقلية العسكرية والأمنية فقط.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات