التحليلات

السلم ممكنا.. إثيوبيا وإريتريا نموذجا

السبت 2019.2.9 12:56 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 370قراءة
  • 0 تعليق
سلام إثيوبيا وإريتريا إنجاز تاريخي بصبغة سعودية إماراتية

سلام إثيوبيا وإريتريا إنجاز تاريخي بصبغة سعودية إماراتية

 لطالما مثلت قضية الصراع في أفريقيا معضلة كبيرة خلال تاريخها، حملت القارة المثقلة بالأعباء، أعباء جديدة تضاف لها، وحرمتها من التنمية الاقتصادية والاجتماعية طيلة عقود.

الحدود السياسية كانت واحدة من أهم مسببات الصراع في القارة الأفريقية التي عانت لعقود من الاستعمار الأجنبي الذي رسم حدودا بين الدول لا تراعي الأبعاد الديمغرافية والاجتماعية ولا حتى الجغرافية.

منطقة القرن الإفريقي من أبرز المناطق في القارة الأفريقية التي شهدت نزاعات وصراعات سياسية زادت بسبب أطماع القوى الدولية، لا سيما وأنها تمثل أهمية خاصة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، مما جعلها منطقة صراع تبلور في العديد من النزاعات بين دوله المتجاورة أو جعلها محط أنظار العديد من القوى الدولية والتي كان لبعضها دوراً في تزكية هذه الصراعات.

وتشمل منطقة القرن الإفريقي الجزء الممتد على اليابسة الواقع غرب البحر الأحمر وخليج عدن على شكل قرن، ووفق هذا التعريف الجغرافي فإن القرن الإفريقي يشمل ٤ دول هي إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والصومال، لكن يذهب مراقبين في الوقت نفسه إلى اعتبار دولا مثل السودان وجنوب السودان وغينيا وكينيا وتنزانيا تقع ضمن منطقة القرن الإفريقي من منظور اقتصادي وسياسي بحت.

الاستعمار .. وتزكية الصراع

يعود تاريخ النزاعات الحدودية في أفريقيا إلى عام ١٨٨٤ وهو العام نفسه الذي شهد مؤتمر برلين والذي تقرر وفقا له تقسيم مناطق الحدود بين الدول الأفريقية بين القوى الاستعمارية الأوروبية آنذاك، وقبل ذلك التاريخ لم تكن هناك حدود بين دول القارة السمراء بالشكل المتعارف عليه الآن.

ومنذ ذلك التاريخ باتت منطقة القرن الأفريقي مرتعا للصراعات والحروب التي أثرت بدورها ليس فقط على علاقات الجوار بين الدول وإنما امتدت تأثيراتها السلبية إلى حرمان المنطقة من التنمية لسنوات عديدة، وتفاقم مشكلة النزوح بحثا عن مناطق آمنة بعيدا عن ويلات الحروب.

صراع أوروبي حالي على موارد أفريقيا

تحولت ساحة القرن الأفريقي إلى مناطق للنزاعات والصراعات العسكرية، حيث شهدت خلال القرن الماضي العديد من الحروب بين الدول، منها الحرب الإثيوبية الصومالية خلال أعوام ١٩٦٤ و١٩٧٧ و١٩٧٨ و٢٠٠٦ و٢٠٠٩، والحرب بين إريتريا وإثيوبيا من ١٩٩٨ وحتى عام ٢٠٠٠، وقد سبقها سنوات من التوتر بين الدولتين، والحرب التنزانية الأوغندية من عام ١٩٧٨ و١٩٧٩ والحرب بين كينيا والصومال عام ١٩٦٣، فضلا عن النزاع السوداني الذي نشأ عنه انفصال الجنوب والذي أصبح واقعا بعد استفتاء عام ٢٠١١، بعد نزاع استمر لما يقرب من نصف قرن. 

أهمية القرن الافريقي

تكتسب منطقة القرن الأفريقي أهمية كبيرة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، جعلها محورا للصراع الدولي منذ القرن الماضي، جغرافيا تطل دوله على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، حيث مضيق باب المندب، ومن ثم تأتي أهميته النابعة من التحكم في التجارة الدولية، كما أنها تعد كذلك ممراً محتملا لأي تحركات عسكرية قادمة من الغرب في اتجاه منطقة الشرق الأوسط.

أهمية كبيرة تكتسبها المنطقة كونها تقع أيضا داخل إقليم يشمل شبه الجزيرة العربية، وهو ما يجعل أمن دول الخليج العربي ليس بمعزل عن أمن دول القرن الأفريقي.

وتمثل الثروة المائية الهائلة التي تتواجد في القرن الأفريقي أهمية قصوى تضفي على المنطقة بعدا استراتيجيا لا يمكن إغفاله في العصر الحالي بالنظر إلى التحذيرات الدولية التي تنطلق من وقت لآخر محذرة من احتمالية وقوع حروب بسبب الشح المائي في الكثير من المناطق بالعالم.

وفي الوقت ذاته لا تقتصر أهمية منطقة القرن الأفريقي على الأهمية الجغرافية فحسب، بل تمتد لتشمل الثروات الطبيعية وفي مقدمتها النفط والذهب واليورانيوم والغاز الطبيعي، بل والثروة الحيوانية أيضا في الكثير من دوله.

الصراع الإثيوبي الإريتري

اعتبرت قضية النزاع الإثيوبي الإريتري والذي امتد لسنوات طويلة واحدة من أبرز المشكلات التي عانت منها أفريقيا لسنوات عديدة، حيث وصلت ذروة النزاع في مايو ١٩٩٨ .

وقبل الدخول في تفاصيل الصراع المسلح بين الجارتين، من المهم الإشارة إلى كيفية تطور العلاقات بين الدولتين، وكيف تحولت الحليفتان إلى عدوتين فيما بعد، فقد نجحت قوات الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا تحت قيادة إسياس أفورقي في دخول العاصمة الإريترية أسمرا، وبعدها بأربعة أيام تمكن تحالف فصائل الثوار بقيادة رئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي من دخول العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لينتهي حكم منغيستو هايلي ماريام، الذي استمر منذ عام ١٩٧٤ حتى عام ١٩٩١ وجرى الاتفاق وقتها على البدء في خطوات فعلية لإجراء استفتاء لاستقلال إريتريا في أبريل عام ١٩٩٣ أعقبها اعتراف إثيوبيا باستقلال إريتريا في العام نفسه، وتم تشكيل حكومة انتقالية لتسيير شؤون البلاد، وانتخب إسياس أفورقي رئيسًا لجمهورية إريتريا.


وسرعان ما تبدل الحال وتحولا رفيقا السلاح إلى عدوين، مع اندلاع المواجهات في مايو ١٩٩٨، على امتداد الحدود بين البلدين البالغ طولها ألف كم، ولم تفلح توقيع اتفاق بالجزائر عام ٢٠٠٠ بغرض إحالة النزاع إلى التحكيم، وإنشاء مفوضية لترسيم الحدود بين الطرفين ويكون قرارها نهائيا وملزماً للجانبين، في وضع حد للمواجهات المسلحة التي راح ضحيتها آلاف القتلى ومثلهم من الجرحى، إذ رفضت إثيوبيا حكم اللجنة الدولية ونشرت الآلاف من الجنود الإضافيين على الحدود مع إريتريا حتى 2018 .

إثيوبيا.. إريتريا مصالحة تاريخية

لا يمكن فهم التطور الأخير الحاصل بين إثيوبيا وإريتريا عام ٢٠١٨ والذي انتهى بمصالحة تاريخية بعد سنوات من العداء والاقتتال دون النظر إلى العديد من التفاعلات الإقليمية والدولية والدوافع لدى البلدين والتي يمكن إجمالها في نقاط:

- النهج الإصلاحي الذي انتهجه آبي أحمد مع تولي رئاسة الوزراء في إثيوبيا في مارس/آذار ٢٠١٨، حيث قام برفع حالة الطوارئ والإفراج عن العديد من المعتقلين السياسين وفي مقدمتهم حركة الجينبوت.

- رغبة إثيوبية من قبل آبي أحمد في إضعاف الجناح المتشدد من جبهة تحرير شعب تيجراي.

- اتفاق السلام مع إريتريا يجعل لإثيوبيا أولوية في استخدام الموانئ الإريترية وبخاصة ميناء عصب.

- التخلص من العزلة الدولية التي عانتها دولة إريتريا لسنوات طويلة ورفع العقوبات الدولية المفروضة عليه.

- عودة منطقة بادمي Badme للسيادة الإريترية.

- الوضع الاقتصادي المتردي للجارتين إذ تعاني إريتريا جراء تكلفة الحرب والنزاعات فضلا عن ارتفاع معدلات الفقر، وبالمثل تعاني إثيوبيا من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

- الصراعات الحدودية الأفريقية خاصة ما بين إريتريا وجيبوتي.

- وجود رغبة قوية بين دول المنطقة في إنهاء الصراع.

- رغبة خليجية من قبل السعودية والإمارات في إنهاء صراع الشقيقين رفضا للتدخلات الخارجية المتزايدة من بعض القوى الإقليمية التي تبحث لها عن دور في منطقة القرن الأفريقي ومنها تركيا وإيران وإسرائيل، وهو الأمر الذي ظهر جليا في استضافة جدة منتصف سبتمبر/أيلول الماضي كل من من أسياس أفورقي وآبي أحمد لتوقيع معاهدة السلام والمصالحة .


وقد مهدت الزيارة التاريخية التي قام بها آبي أحمد إلى العاصمة الإريترية أسمرة بعد سنوات من المقاطعة والصراعات المسلحة في يوليو/تموز ٢٠١٨ إلى مرحلة جديدة في تاريخ الدولتين والقارة السمراء بشكل عام.

زيارة حيث كانت بمثابة لبنة أولى تبعتها جهود دبلوماسية وسياسية من قبل السعودية والإمارات حيث عقدت في أبوظبي قمة ثلاثية برعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصولا إلى قمة جدة حيث وقع الجانب الإثيوبي والإريتري اتفاقية سلام برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في سبتمبر/أيلول ٢٠١٨.

أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة وصف اتفاق السلام بآنه حدث تاريخي، قائلا": إن إنتهاء الصراع الذي استمر لعقود يكتسب أهمية إضافية في عالم تتضاعف فيه الصراعات وتستمر لفترات طويلة".

صحيح أن الطريق مازال طويلا أمام منطقة القرن الأفريقي بشكل عام، وبين إثيوبيا وإريتريا بشكل خاص لنفض غبار سنوات طويلة من الصراع العسكري الذي أنهك البلدين اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا إلا أنه خطوة تاريخية وشجاعة تحسب لجميع أطرافها إيذانا بمرحلة جديدة من السلام الذي تأمله القارة السمراء.

.



تعليقات