مجتمع

"البابا فرنسيس".. سيرة الإنسانية والتسامح الديني في العالم

الإثنين 2019.1.28 08:10 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 370قراءة
  • 0 تعليق
قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية

قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية

دائما ما تتبادر للأذهان صفات التواضع والبساطة عند التحدث عن قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، الذي كرّس حياته لخدمة الإنسانية والانحياز للفقراء، ونصرة اللاجئين في مختلف أنحاء العالم دون الالتفات لأوطانهم أو دياناتهم، ليضع لنفسه منهاجاً متفرداً في التسامح الديني. 

ويمثل البابا فرنسيس مثالاً لحياة مسيحية متواضعة جعلته يمشي بين الناس ويستقل المركبات العامة ويقبل أقدام البسطاء، تلك الصفات جعلته رمزاً للإنسانية يحتفي به العالم. وتحكي سيرته العطرة "إنسانية وتسامح".

اعتلى البابا فرنسيس عرش الكنيسة الكاثوليكية في 13 مارس/آذار 2013 بالترتيب 266، كأول بابا يأتي من العالم الجديد وأمريكا الجنوبية والأرجنتين وخارج أوروبا منذ عهد غريغوري الثالث. وبحكم كونه البابا، فهو خليفة بطرس، وأسقف روما، ويشغل عدة مناصب أخرى منها سيّد دولة الفاتيكان.

شغل منصب رئيس أساقفة بيونس آيرس قبل انتخابه بابا، وكان يوحنا بولس الثاني منحه الرتبة الكاردينالية عام 2001. واختار اسم فرنسيس تأسياً بالقديس فرنسيس الأسيزي، أحد معلمي الكنيسة الجامعة "والمدافع عن الفقراء والبساطة والسلام"، بعد أن كان اسمه "خورخي ماريو بيرجوليو".

وتم تنصيب البابا فرنسيس بشكل رسمي في ساحة القديس بطرس يوم 19 مارس 2013، في عيد القديس يوسف في قداس احتفالي، وعرف عنه على الصعيد الشخصي وكذلك كقائد ديني التواضع ودعم الحركات الإنسانية والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع الحوار والتواصل بين مختلف الخلفيات والثقافات.

بعد انتخابه حبراً أعظم، ألغى كثيرا من التشريعات المتعلقة بالبابوية، على سبيل المثال أقام في بيت القديسة "مرثا لا" في المقر الرسمي في القصر الرسولي، ووصف بكونه "البابا القادر على إحداث تغييرات".


سيرة عطرة

ولد البابا فرنسيس وكان اسمه "خورخي ماريو بيرجوليو" في بوينس آيرس لماريو خوسيه بيرجوليو وريجينا سيفوري ماريا في عائلة مكونة من 5 أطفال، وهو أكبر أشقائه الأربعة، كان والده مهاجراً من إيطاليا، أما والدته فهي ولدت في الأرجنتين غير أنها من أصول إيطالية جنوية أيضاً.

وبحسب تصريح لشقيقة البابا، فإن السبب الرئيسي للهجرة من إيطاليا إلى الأرجنتين كان الهروب من النظام الفاشي الذي كان متحكماً في إيطاليا، ليعمل والده في السكك الحديدية أما والدته فكانت ربة منزل.

تلقى البابا تعليمه الابتدائي في مدرسة للآباء الساليزيان في إحدى ضواحي بيونس آيرس، أما مدرسته الإعدادية فكانت متخصصة في التقنيات الكيميائية، وتابع دراسته الجامعية محصلاً درجة الماجستير في الكيمياء في جامعة بوينس آيرس. وعمل لـ3 سنوات ضمن مجال اختصاصه في أحد المخابر في العاصمة الأرجنتينية.

وخلال مراهقته المبكرة أصيب البابا بالتهاب رئوي حاد بنتيجة العدوى، وهو ما أثر على صحته لاحقاً وأدى لاستئصال رئته اليمنى حين كان كاهناً، ومنذ طفولته وشبابه، عرف عن البابا شغفه بالأفلام والموسيقى الشعبية في الأرجنتين والأوروجواي ورقص التانجو ومتابعته كرة القدم، وحبه تشجيعها، بشكل خاص نادي برشلونة.

منذ شبابه اختلط البابا بالطقوس الشرقية، من خلال صداقة جمعته مع أحد الكهنة المتبعين للطقس البيزنطي.

الالتحاق بالسلك الكنسي

قرر البابا فرنسيس الالتحاق بالسلك الكنسي وكان عمره 21 عاما، فانضمّ إلى الرهبنة اليسوعية في 11 مارس 1958، ودرس العلوم الإنسانية واللاهوتية في سانتياغو في تشيلي، وأشهر نذوره الرهبانية في 12 مارس 1960، ليغدو بذلك عضوا رسمياً عاملاً في الرهبنة.

بعد إنهاء دراساته الأولى في تشيلي، عاد إلى الأرجنتين ليتابع دراساته في الفلسفة واللاهوت في المعهد الإكليركي في ديفيتو فيلا ثم في جامعة سان ماكسيمو دي مغيل والتي حصل منها على البكالوريوس، وتابع دراساته في الأدب وعلم النفس بين عامي 1964 - 1965 في جامعة ديلا أنماكيولادا في سانتا في وتخرج فيها.

في عام 1967 أنهى دراسته اللاهوتية، وسيم كاهناً في 13 ديسمبر 1969، من قبل رئيس الأساقفة خوسيه كاستيانو.

واختير بمنصب الرئيس الإقليمي للرهبنة اليسوعية في الأرجنتين بدءا من 22 أبريل 1973، واستمرّ في شغل المنصب حتى 1979 في نهاية ولايته. في عام 1992 اختاره البابا يوحنا بولس الثاني ليكون أسقفًا مساعدًا لرئيس أساقفة بيونس آيرس الكاردينال أنطونيو كاراكينو.

وفي 3 يونيو 1997، عيّن برجوليو القائم بالأعمال الفعلي لأبرشية بيونس آيرس مع حق الخلافة التلقائية بعد تقدم رئيس أساقفتها في السن وتعثر صحته، وسرعان ما توفي في 28 فبراير 1998 ما فسح في المجال أمام برجوليو ليغدو خليفته في رئاسة أساقفة المدينة بعد شغور منصب رئيس الأساقفة، واحتفل بتنصيبه الرسمي في 6 نوفمبر 1998 وجمعت إلى مهامه مهمة الإشراف على الكنائس الكاثوليكية الشرقية.

 بعد تعيينه رئيس أساقفة بـ3 سنوات، في عام 2001، اختار يوحنا بولس الثاني كاردينالاً، وعيّنه في 5 وظائف إدارية؛ عضوا في الكوريا الرومانية، وعضو مجمع الإكليروس، وعضو مجمع مؤسسات الحياة المكرسة وجمعيات الحياة الرسولية، وعضوا في المجلس الحبري للعائلة، وعضوا في مجلس أساقفة أمريكا الجنوبية.

كيف استقبل العالم انتخابه؟ 

واجه العالم انتخاب البابا فرنسيس باحتفاء وردود أفعال غير مسبوقة، وحظي بترحيب دولي واسع وغطت صورته الصحف العالمية، كيف وقد اعتلى ربان الإنسانية والتسامح الديني عرش الفاتيكان.

واعتبرت الصحافة الإيطالية وقته انتخاب البابا فرنسيس "ثورة في تاريخ الكنيسة"، في حين شهدت مسقط رأسه الأرجنتين "احتفالات صاخبة"، بينما اعتبر الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنه "يحمل رسالة المحبة التي ألهمت العالم منذ أكثر من ألفي عام".

في الأرجنتين، أعلنت المناسبة عطلة رسمية في المدارس والدوائر الحكومية لكي يتمكن الطلاب والموظفين من مشاهدة الحفل، ووصفه المسؤولون في مدينة بيونس آيرس بأنه "أحد الأحداث التي حصلت لدولة الأرجنتين"، ونصبت شاشات تلفزيونية عملاقة في الساحات لمشاهدة التنصيب.

مواقف إنسانية مشرفة

كثيرة هي المواقف النبيلة للبابا فرنسيس التي أثارت إعجاب العالم، وجعلته رمزاً للإنسانية يحتفي به، ولكن دعوته أتباع الكنيسة الكاثوليكية والديانات الأخرى في أوروبا إلى استضافة عائلات اللاجئين السوريين، وتقبيله قدم طفل مصاب السرطان شكلتا علامة فارقة في تسامح البابا وإنسانيته.

وقبَّل البابا قدم طفل مصاب بالسرطان؛ لإيصال رسالة له بأنه يشعر بآلامه التي يتسبب السرطان في شعوره بها، وللفت أنظار العديد ممن يتابعون "البابا" إلى أهمية الالتفات للفقراء.

 وقال البابا فرانسيس في سبتمبر 2015، إن الإنسانية مطالبة بتقديم العون إلى أولئك الذين يفرون من الموت "اللاجئون، لافتا إلى أن أوروبا تشكل بارقة أمل لهؤلاء الناس ويجب على الجميع مساعدتهم، اصطحب أسرة مسلمة من المهاجرين السوريون معه إلى الفاتيكان، وكانوا فقدوا منازلهم في الحرب التي تشهدها سوريا، في لفتة إنسانية منه تؤكد إنسانيته، وأخلاقه التي يتميز بها.

كما وزع أكياس نوم على المشردين في روما خلال موكب "طريق الصليب"، مشيرا إلى أن أكياس النوم تأتي هدية من البابا في إظهار لـ"الوحدة الروحانية" ضمن مراسم "طريق الصليب".

ودافع البابا فرانسيس عن حجاب المرأة المسلمة، قائلا: "إن أرادت امرأة مسلمة ارتداء الحجاب ينبغي أن تكون لديها الحرية لفعل ذلك بالنظرة نفسها التي توجّه إلى أي امرأة كاثوليكية تريد ارتداء الصليب، مشيرا إلى أنه ينبغي أن يمتلك الأفراد حرية التصريح بمعتقدهم الديني من خلال إبراز أهم ملامحه الثقافية.

عُرف عن البابا فرنسيس كثيراً، زيارته للمسنين، خصوصاً في "جمعة الرحمة" وهي المبادرة المعروفة ضمن سنة اليوبيل، حيث اختار البابا زيارة الكهنة المسنين والمرضى المقيمين لدى جماعتين تعتنيان بهم، وكان اللقاء مفعما بالمشاعر الحارة والفرح الروحي ولحظات الصلاة.

الأسقف كونراد كراجفسكي، موزع صدقات البابا فرنسيس، يقول إن بابا الفاتيكان كان يزور الفقراء ليلاً عندما كان لا يزال رئيس أساقفة بيونس آيرس، حيث أبدى رغبته في مرات كثيرة بأن يرافقه في مهماته الليلية، ما يعكس مدي الانسانية التي تتجلى في تلك الشخصية العظيمة.

في أكتوبر 2013، باع البابا فرنسيس دراجته النارية لصالح المشردين، الذين ليس لهم ملجأ يسكنون فيه، ما أثار عطف كثيرين وقدم كثيرا من الأثرياء في العالم المساعدات المالية للمتشردين.

ومن مواقفه الإنسانية المشرفة كذلك، استنكاره لما وصفه بتسامح المجتمع مع الاعتداء على الأطفال و"التخلص من كبار السن"، ووصفه بأنه "إرهاب ديموغرافي"، وقال: "الأطفال يتعرضون لسوء المعاملة، وبعضهم ليسوا متعلمين، وآخرون لا يستطيعون الأكل"، فضلاً عن مناصرته اللامحدودة للفقراء.

تعليقات