من المخلفات الزراعية.. «العين الإخبارية» تكشف أسرار أول فلتر مائي مستدام
في وقت تتزايد فيه تحديات نقص المياه النظيفة وتتصاعد المخاوف البيئية من حرق مخلفات الزراعة، يبرز ابتكار جديد قد يغير قواعد اللعبة.
ونجح فريق بحثي من المركز القومي للبحوث المصرية، في تحويل "قش الأرز" من أزمة بيئية مزمنة إلى أداة متطورة لتنقية مياه الشرب، عبر فلتر محمول يعتمد على تكنولوجيا النانو والطاقة الشمسية، ويستهدف توفير مياه آمنة في المناطق النائية والمعزولة. حول تفاصيل هذا الابتكار، وآفاقه العلمية والاقتصادية، كان هذا الحوار مع الدكتور أحمد محمود يوسف، عميد معهد بحوث الصناعات الكيماوية، والمشارك في هذا الإختراع.
بداية.. ما الفكرة الأساسية وراء هذا الابتكار؟
الفكرة انطلقت من تحديين رئيسيين؛ الأول هو كيفية الاستفادة من المخلفات الزراعية، خاصة قش الأرز، بدلًا من حرقه والتسبب في تلوث بيئي، والثاني هو الحاجة إلى حلول بسيطة ومنخفضة التكلفة لتنقية مياه الشرب، خصوصًا في المناطق البعيدة عن شبكات المياه التقليدية. فحاولنا الجمع بين الهدفين في منتج واحد.

ما الذي يميز هذا الفلتر عن الفلاتر التجارية الموجودة حاليًا؟
الفلاتر التقليدية تعتمد غالبًا على مواد بوليمرية يصعب التخلص منها بيئيًا، كما أن شمعاتها قد تتحول إلى بيئة لنمو الميكروبات والطحالب مع طول الاستخدام. أما فلترنا الجديد فهو صديق للبيئة بالكامل، وأغشيته قابلة للتغيير بسهولة يوميًا، ما يقلل احتمالات تراكم الملوثات.
كيف يعمل الفلتر من الناحية العلمية؟
يعتمد على عنصرين رئيسيين مستخلصين من قش الأرز. الأول هو أغشية ورقية مدعمة بجسيمات الفضة النانوية، وهذه لها قدرة كبيرة على القضاء على البكتيريا والميكروبات عبر تدمير مادتها الوراثية. أما العنصر الثاني فهو حبيبات "الميكروكرستلين سليلوز"، وهي مادة ماصة متطورة قادرة على التقاط المعادن الثقيلة وبقايا المبيدات من المياه.
ما النتائج التي توصلتم إليها خلال التجارب المعملية؟
النتائج كانت مشجعة للغاية. استطعنا تحقيق إبادة كاملة لبكتيريا الإشريكية القولونية بنسبة 100% من أول دورة ترشيح. كما نجحنا في إزالة أكثر من 99% من الكادميوم، و95% من الرصاص، وأكثر من 97% من الزنك، بالإضافة إلى إزالة نحو 98.7% من مبيد DDT.

هل يمكن استخدام الفلتر في الحياة اليومية بسهولة؟
بالتأكيد، وهذه إحدى أهم نقاط قوته. الفلتر مصمم ليكون محمولًا وخفيفًا، ويمكن وضعه في حقيبة اليد. لا يحتاج إلى كهرباء أو ضغط مياه، ويعمل تحت الضغط الجوي العادي، ما يجعله مثاليًا للمناطق الجبلية، والتجمعات البدوية، والشواطئ، وحتى أثناء السفر.
هل الاعتماد على قش الأرز فقط له بعد اقتصادي أيضًا؟
نعم، لأننا نعتمد على خامات محلية متوفرة بكثرة، وهذا يقلل التكلفة بشكل كبير ويحد من استيراد المواد الخام. كما يفتح الباب أمام تحويل مخلفات زراعية كانت تمثل عبئًا بيئيًا إلى منتج اقتصادي عالي القيمة.
ماذا عن فرص التصنيع التجاري لهذا الابتكار؟
فرصه كبيرة جدًا. التكنولوجيا قابلة للتطبيق صناعيًا بسهولة، ويمكن للمصانع إنتاج الأغشية بكميات كبيرة من خلال عمليات بسيطة مثل الرش والتجفيف والتعبئة. وهذا قد يخلق سوقًا جديدة بالكامل قائمة على إعادة تدوير المخلفات الزراعية.
كيف ترون الأثر المجتمعي لهذا الابتكار؟
إذا تم تطبيقه على نطاق واسع، يمكن أن يساهم في توفير مياه شرب آمنة لملايين الأشخاص، خاصة في المناطق المحرومة، إلى جانب تقليل التلوث الناتج عن حرق قش الأرز. نحن هنا لا نتحدث فقط عن فلتر مياه، بل عن نموذج متكامل للاستدامة البيئية والصحية والاقتصادية.