الرئيس والحرس الثوري في إيران.. صراع نفوذ يطيل أمد «الظلام الرقمي»
لم يعكس تأخر عودة الإنترنت في إيران بأمر من الرئيس خشية النظام من وصول المواطنين للمعلومات دون قيود، بل يختزل صراعا محتدما على السلطة.
ولم يكن هذا الصراع خفيا، فلقد عبرت حممه أسوار القاعات المغلقة التي عادة ما يحجب النظام بين جدرانها انقساماته ونكساته خوفا من تسريبها إعلاميا.
فبعد الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج خلال الحرب الأخيرة، قدم الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان اعتذاره للدول العربية التي طالتها الاعتداءات.
لكن وبينما كان الرجل يدلي بخطابه، كانت الصواريخ تنهمر على ذات الدول في اعتداءات سافرة وإرهابية أكدت الشرخ والانقسام الواسع في أعلى هرم القيادة الإيرانية.
صراع سلطة
وفي قرار مفاجئ، علّق القضاء الإيراني الثلاثاء عمل هيئة رئاسية أمرت بإعادة خدمة الإنترنت بعد قطعه بصورة شبه كاملة تام منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية في أواخر فبراير/شباط الماضي.
وطال القرار القضائي "الهيئة الخاصة لتنظيم وإدارة الفضاء الإلكتروني للبلاد"، وهي هيئة شكّلها الرئيس مسعود بزشكيان في 12 مايو/أيار الجاري.
وكانت الهيئة اتخذت الإثنين قرارا بإعادة خدمة الإنترنت في إيران، حسبما صرحت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني، بعد أن أفادت وسائل إعلام محلية بأن بزشكيان أصدر مرسوماً بهذا الشأن.
وبالفعل، ذكرت وكالتا تسنيم وفارس أن "الرئيس بزشكيان سلّم مرسوما إلى وزارة الاتصالات لإعادة خدمة الإنترنت إلى وضعها قبل يناير/كانون الثاني الماضي".
وكانت خدمة الإنترنت الدولية قد عُلقت خلال الاحتجاجات الواسعة التي بلغت ذروتها مطلع الشهر المذكور، ثم قُطعت في 28 فبراير/شباط المنقضي مع بداية الحرب.
ومذاك، لم يكن بإمكان الإيرانيين الوصول إلا إلى المنصات والمواقع الإلكترونية التابعة للشبكة الوطنية.
ولذلك، فإنه حين أصدر بزكشيان أمره للسلطات بالبدء في إعادة خدمة الإنترنت للسكان، اعتقد الجميع أنه سينهي بذلك أطول انقطاع للإنترنت تشهده أي دولة في التاريخ.
هيكل معقد
وتخضع إدارة الإنترنت في إيران لهيكل مركزي شديد التعقيد، مع وجود عدة مؤسسات حكومية تخضع بشكل مباشر للمرشد الأعلى.
وفي قمة هذا الهيكل يأتي "المجلس الأعلى للفضاء السيبراني"، وهو هيئة خاضعة لعقوبات أمريكية، أُنشئت بمرسوم من المرشد المقتول علي خامنئي عام 2012، وتضم 27 عضواً من أبرز الشخصيات النافذة في النظام.
ويضم المجلس شخصيات مثل وزير الاستخبارات ورئيس السلطة القضائية ورجال دين بارزين، يحملون رؤى متباينة بشأن كيفية وصول الإيرانيين إلى الإنترنت.
ومن بين أعضائه متشددون سبق أن شبّهوا تطبيق "إنستغرام" بالمقاتلات الأمريكية من طراز "إف- 35"، إلى جانب آخرين يواصلون عرقلة إعادة الإنترنت بشكل كامل، خشية انفتاح الشعب على العالم الخارجي.
ولتجاوز هذا الجمود، شكّل الرئيس الإيراني الذي يوصف بأنه "إصلاحي معتدل"، هذا الشهر، فريق عمل موازيا، لكنه واجه اتهامات بمحاولة تجاوز صلاحيات المجلس التابع للمرشد.
لكن يبدو أن أمره اصطدم بموقف مناقض له من المرشد الجديد، وبما أن الأخير غائب تقريبا عن دائرة القرار وذلك منذ إصابته في الحرب، فالواضح وفق مراقبين، أن الحرس الثوري هو من يقود دفة الحكم، وهو من لا يريد إعادة الإنترنت.
أما أسباب ذلك فتتلخص في عاملين اثنين، أولهما أن النظام، وخصوصا المتشددين، يخشون بشكل كبير من وصول الإيرانيين إلى المعلومات دون قيود، ما قد يرفع وتيرة الاحتقان ويعيد تنظيم صفوف المحتجين والمعارضين بالداخل.
وأما الثاني، فيتركز بالأساس في السعي لكسر أي سلطة للرئيس بزكشيان في ظل الصراع المحتدم بين الجانبين والذي تجلى بشكل أوضح منذ اندلاع الحرب الأخيرة.
وفي غضون ذلك، لا يزال وصول الإيرانيين إلى الإنترنت معلقا، في انتظار قرار نظام منقسم سياسيا بشأن الكيفية التي سيُسمح لهم من خلالها باستخدام الشبكة.