من الأمن إلى المياه.. القمة الأفريقية الـ39 ترسم أولويات القارة
تستعد العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لاستضافة القمة الـ39 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي، المقررة يومي 14 و15 فبراير/شباط الجاري.
وتعقد القمة، في توقيت بالغ الحساسية تمرّ به القارة، بتحديات أمنية وضغوط مناخية وتحولات اقتصادية وديموغرافية متسارعة، وفي ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة، ما يضع جدول أعمالها أمام اختبارات حقيقية تتعلق بقدرة الاتحاد الأفريقي على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء استجابات هيكلية طويلة الأمد، تعزز الاستقرار والتنمية الشاملة.
- واشنطن تعالج تقلص نفوذها في غرب أفريقيا بالتوسع شرقا
- «تدمير الجسر».. الإرهاب في غرب أفريقيا يعيد تعريف أولوياته
مسار تحضيري مكثف قبل القمة
وأطلق الاتحاد الأفريقي رسميًا دورته التحضيرية في يناير/كانون الثاني الماضي، حيث عقدت لجنة الممثلين الدائمين اجتماعات مكثفة بمقر الاتحاد، تمهيدًا لانعقاد الدورة العادية الـ48 للمجلس التنفيذي يومي 11 و12 فبراير/شباط، على أن تُرفع التوصيات النهائية إلى مستوى القمة لاعتمادها سياسيًا.
ويشير السياق التحضيري والعمليات السياسية الجارية، وفق ما طالعته «العين الإخبارية»، إلى مجموعة من المحاور الرئيسية التي يُرجّح أن تُهيمن على مداولات القمة وتوجّه مخرجاتها.

المياه والصرف.. أولوية أمنية قارية
تنعقد قمة هذا العام تحت شعار «ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة صرف صحي آمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063»، في دلالة واضحة على انتقال قضية المياه من نطاقها القطاعي التقليدي إلى مستوى الأمن القاري الشامل.
ويعكس اختيار هذا الشعار إدراكًا متزايدًا بأن الأمن المائي بات عنصرًا حاسمًا في الاستقرار السياسي، والصحة العامة، والأمن الغذائي، والنمو الاقتصادي، والقدرة على التكيّف مع تغير المناخ، لا سيما في قارة تُعد الأسرع نموًا سكانيًا والأصغر عمرًا على مستوى العالم.
وأكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في تصريح سابق، أن شحّ المياه لم يعد تحديًا تقنيًا فحسب، بل تحوّل إلى قضية حوكمة وهيكل تنموي، في ظل التوسع الحضري السريع، وضعف البنى التحتية، وتفاقم آثار التغير المناخي.
خارطة طريق قارية
من أبرز المخرجات الفنية المنتظرة للقمة اعتماد خارطة طريق 2026 لإمدادات المياه المستدامة وخدمات الصرف الصحي الآمنة. وعملت اجتماعات الممثلين الدائمين على بلورة حزمة من التوصيات السياسية، وأطر التمويل، والمعايير التنفيذية القابلة للقياس، بهدف سدّ الفجوة بين الالتزامات السياسية والتنفيذ العملي.
وتهدف هذه الخارطة إلى مواءمة الاستراتيجيات الوطنية مع التعاون الإقليمي والشراكات الدولية، ومعالجة التحديات التي تواجه سكان المدن والأرياف على حد سواء، ضمن رؤية تنموية طويلة الأمد.
التنمية الاجتماعية والاقتصادية
إلى جانب ملف المياه، ستركز القمة على قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز النظم الصحية، وتطوير البنية التحتية، وتمكين الشباب، والتحول الرقمي، باعتبارها مجالات محورية مرتبطة بأجندة 2063.
تحول في القيادة: بوروندي تتسلم رئاسة الاتحاد
تشهد القمة انتقال رئاسة الاتحاد الأفريقي لعام 2026 من الرئيس الأنغولي جواو لورينسو إلى الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيميي، في مرحلة تتطلب قيادة قادرة على إدارة التوازن بين الملفات الأمنية والتنموية والمناخية، وتعزيز وحدة الموقف الأفريقي إقليميًا ودوليًا.
السلام والأمن
ورغم بروز ملف المياه كعنوان رئيسي، يبقى السلام والأمن في صميم المداولات الاستراتيجية للقمة. إذ يناقش القادة تصاعد الأزمات في الساحل الأفريقي، وشرق الكونغو الديمقراطية، والسودان، وليبيا، إلى جانب التهديدات المتنامية للإرهاب العابر للحدود، والتغييرات غير الدستورية للحكومات، وانعدام الأمن البحري.
وتخضع هيكلية السلام والأمن الأفريقية لمراجعة دقيقة، مع التركيز على تعزيز آليات الإنذار المبكر، وتسريع جهود منع النزاعات، وتحسين التنسيق بين الاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، في مسعى للانتقال من إدارة الأزمات إلى الوقاية الاستباقية.
الإصلاحات المؤسسية والمالية
ومن المتوقع أن يحتل الإصلاح المؤسسي للاتحاد الأفريقي، بما في ذلك آليات التمويل المستدام وتفعيل برامج إعادة الهيكلة، حيزًا مهمًا من النقاشات.
وستُرفع التوصيات الوزارية المتعلقة بتعزيز الكفاءة المؤسسية، ونظم الحوكمة، والاستدامة المالية إلى الجمعية لاعتمادها سياسيًا.
مصر تتسلم رئاسة مجلس السلم والأمن
وتتسلم مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي لشهر فبراير/شباط، ويأتي ذلك في توقيت تتزايد فيه التحديات الأمنية والسياسية بالقارة.
ويمنح هذا الدور القاهرة أهمية خاصة للقمة، في ظل الحاجة إلى تنسيق أفريقي عالي المستوى لمواجهة النزاعات المسلحة، والإرهاب، والتداعيات الأمنية لتغير المناخ.
قمة إيطاليا وأفريقيا.. تشابك الأجندات الدولية
بالتوازي مع القمة الأفريقية، تستضيف إثيوبيا في 13 فبراير/شباط الجاري القمة الثانية لإيطاليا وأفريقيا على مستوى القادة، للمرة الأولى على الأراضي الأفريقية.
وتشارك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني كضيفة شرف في الجلسة الافتتاحية للقمة الأفريقية، في مؤشر على تنامي الحضور الأوروبي في النقاشات الأفريقية.
وتركز القمة الأفريقية–الإيطالية على «خطة ماتي» الإيطالية لأفريقيا، التي تشمل الطاقة، والبنية التحتية، والتعليم، والصحة، والزراعة، مع تقييم التقدم المحرز وتحديد أولويات الشراكة المستقبلية.
أجندة 2063.. الطموح مقابل فجوة التنفيذ
من المتوقع أن تُرسّخ القمة التوجهات الاستراتيجية المتعلقة بتنفيذ أجندة 2063، مع اتخاذ قرارات لتسريع المشاريع الرائدة ذات الأولوية، وتعزيز التجارة البينية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
ورغم الإجماع السياسي، لا تزال فجوة التنفيذ قائمة، خصوصًا في مجالات البنية التحتية، وتنسيق السياسات الجمركية، وسلاسل القيمة الإقليمية، ما يفرض البحث عن آليات عملية لتحويل الطموحات التكاملية إلى نتائج ملموسة، في ظل بيئة اقتصادية عالمية معقدة.
القطاع الخاص في قلب أجندة التنمية
على هامش القمة، تستضيف مفوضية الاتحاد الأفريقي في 13 فبراير/شباط منتدى رفيع المستوى للقطاع الخاص الأفريقي تحت شعار: «دور القطاع الخاص في تحقيق أجندة التنمية الأفريقية 2063».
ويهدف المنتدى إلى حشد رؤوس الأموال وبناء شراكات استراتيجية لتسريع التصنيع والتنمية، بمشاركة قادة دول، ومستثمرين مؤسسيين، وصناديق سيادية، وشركات ناشئة يقودها الشباب والنساء، في إطار مقاربة تنموية تضع الإنسان في قلب السياسات.