«تدمير الجسر».. الإرهاب في غرب أفريقيا يعيد تعريف أولوياته
مرحلة جديدة من التصعيد الأمني في منطقة الساحل الأفريقي، انطلقت شرارتها بتدمير جسر حدودي بين مالي وبوركينا فاسو، بالتزامن مع تبادل إطلاق نار قرب مطار باماكو-سِينو.
تصعيد يكشف عن مرحلة جديدة في معادلة العنف بالمنطقة، حيث تحاول التنظيمات المسلحة تعويض خسائرها الميدانية عبر ضرب البنية التحتية والمواقع الرمزية، مستفيدة من فراغات أمنية أعقبت انسحاب القوات الأجنبية وإعادة تشكيل العقيدة العسكرية لدول المنطقة.
وشهدت المنطقة الحدودية بين مالي وبوركينا فاسو تطورًا أمنيًا بالغ الخطورة، بعد تدمير جسر حيوي يربط بلدة بينينا في الجانب المالي بمدينة جيباسو في الجانب البوركينابي، وذلك في الثامن من يناير/كانون الثاني الجاري. ويعد هذا الجسر شريانًا مهمًا للحركة التجارية وتنقل السكان المحليين، فضلًا عن كونه مسارًا استراتيجيًا تستخدمه القوات الأمنية في مراقبة الحدود المشتركة.
تطورات تعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل تكفي المقاربات الأمنية وحدها لحماية دول الساحل أم أن المعركة الحقيقية باتت أعمق، وتمتد إلى جذور الدولة والتنمية؟
دلالات استراتيجية خطيرة
وبحسب محللين سياسيين استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، فإن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن التحولات الجيوسياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة منذ انسحاب القوات الأجنبية، وتزايد الاعتماد على الجيوش الوطنية في مواجهة التهديدات المسلحة.
ويقول الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة في الساحل، ماتيو بيليران لـ«العين الإخبارية»، إن تدمير الجسر «ليس مجرد عمل تخريبي معزول، بل رسالة استراتيجية تهدف إلى شلّ الحركة الاقتصادية والعسكرية، وفرض عزلة جغرافية على مناطق بأكملها».

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى إذاعة "آر إف إي" الفرنسية، لم تصدر حتى الآن أي جهة بيانًا رسميًا تتبنى العملية، غير أن غالبية المعطيات الميدانية تشير إلى تورط جماعة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، التي تنشط بشكل مكثف في المثلث الحدودي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وأوضح الباحث الفرنسي، أن الجماعات الإرهابية باتت تعتمد بشكل متزايد على استهداف البنية التحتية لتعويض خسائرها البشرية في المواجهات المباشرة مع الجيوش الوطنية.

من جانبه، أوضح الخبير السنغالي في الشؤون الأفريقية المتخصص في قضايا الأمن الإقليمي في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، بالا كيتا، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن «الاقتراب من منشأة سيادية بهذا الحجم يعني أن الجماعات المسلحة تسعى إلى إظهار قدرتها على الوصول إلى قلب الدولة، وليس فقط إلى الأطراف الهشة».
وأفادت مصادر أمنية بوقوع تبادل كثيف لإطلاق النار خلال ساعات الليل في محيط مطار باماكو-سينو، حيث استُهدف، وفق المعطيات المتوفرة، مركز تابع للدرك المالي. وأكدت المصادر أن القوات المالية تمكنت من صد الهجوم وقتل أحد المهاجمين، دون صدور تعليق رسمي من الجيش المالي حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
بين الفراغ الأمني وتحديات السيادة
تأتي هذه التطورات في ظل سياق إقليمي معقد، حيث تواجه دول الساحل تحديات متزايدة بعد إعادة ترتيب شراكاتها العسكرية والأمنية، فقد أدى تراجع الوجود العسكري الدولي إلى تحميل الجيوش الوطنية مسؤوليات أكبر في مساحات شاسعة تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية وقلة الموارد.

وأشار كيتا إلى أن الحدود بين مالي وبوركينا فاسو تعد من أكثر المناطق هشاشة، بسبب تشابك العوامل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ما يجعلها بيئة خصبة لنشاط الجماعات المسلحة، مشيرًا إلى أن «استهداف الجسور والطرق يفاقم معاناة المدنيين، ويعرقل وصول المساعدات الإنسانية، ويزيد من عزلة المجتمعات المحلية».
غياب التواصل الرسمي
وحذر كيتا من أن غياب أي بيان رسمي من الجيش المالي بشأن حادثة المطار قد يثير تساؤلات حول سياسة التواصل المعتمدة في مثل هذه الأزمات أن نقص المعلومات الرسمية يفتح الباب أمام الشائعات والأخبار المضللة، ويزيد من حالة القلق لدى السكان، خصوصًا في العاصمة باماكو التي تُعد مركز الثقل السياسي والاقتصادي للبلاد.
ورأى أن تدمير الجسر والاشتباكات المسلحة قرب مطار باماكو يعكس مرحلة حساسة من الصراع في الساحل الأفريقي، حيث باتت الجماعات الإرهابية تستهدف البنية التحتية الحيوية والمواقع الرمزية في آن واحد.

وبينما تؤكد السلطات قدرتها على التصدي للهجمات، يحذر كيتا من أن المعالجة الأمنية وحدها لن تكون كافية، ما لم تُرفق برؤية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتعزز التنمية، وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة واضطرابًا.