سياسة

الفتنة القطرية والأزمة الليبية

الثلاثاء 2018.12.4 09:50 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 1200قراءة
  • 0 تعليق
إميل أمين

لا تنفك قطر تثير الفتنة في ليبيا، منذ الأيام الأولى لما أطلق عليه ثورة، والتي لم تكن إلا فتنة، اعترف القطريون رسمياً بأنهم كانوا وراءها شكلاً وموضوعاً، وهذا ما صرح به السفير الروسي السابق لدى قطر "فلاديمير تيتورينكو" حين أشار إلى أن حمد بن جاسم أخبره بأن: "قطر أشرفت على خطط الثوار الليبيين لأنهم مدنيون، وليس لديهم الخبرة العسكرية الكافية"، ويضيف "لقد كنا حلقة الوصل بين الثوار وقوات الناتو ... كنا موجودين فيهم وبينهم".

الدوائر تدور على قطر، وحضورها في ليبيا حكماً لن يطول، فمؤخراً طالبت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا مكتبي المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، والمفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، بالقيام بتحقيق أممي شامل تجاه الأدوار التخريبية القطرية في ليبيا

الأصابع السوداء القطرية واضحة وضوح الشمس في ضحاها، والداني والقاصي يعلم أن قطر حجر عثرة في طريق استقرار الأوضاع، وأنها تستخدم كافة الأوراق التي تمتلكها من أجل إطالة عمر الإشكالية الليبية، عسى أن تتحقق لها أهدافها الخبيثة، وإن شئت الدقة، قل أهداف من يوجهونها فلا قرار "لجزيرة الشيطان" المدعوة قطر من عندياتها، وإنما القرار الأعلى من عند أصحاب السطوة الحقيقية في الدوحة وهم كثر بدءاً من أصحاب القواعد العسكرية، إلى نظام الملالي وإيران الشريفه، وصولاً إلى الأغا العثماني، وحلم العودة إلى الخلافة البائدة.
الفتنة القطرية تستخدما أذرع إعلامية مغايرة لقناة الجزيرة، عبر صحف ومواقع إخبارية تنفق عليها ملايين الدولارات صباح مساء كل يوم، ومنصات تواصل اجتماعي تحمل السم في العسل عسى أن تدرك غاياتها الشريرة في الحال أو الاستقبال.
مثالان رصدناهما الفترة الأخيرة، يوضحان لنا ما ترمي إليه قطر: الأول هو الحوار الذي يقطر إرهاباً، والذي أجرته صحيفة الشرق القطرية مع المدعو "عبدالحكيم بلحاج" رئيس ما يسمى بـ"حزب الوطن" الليبي، وبلحاج هو رجل القاعدة الإرهابي الشهير، الذي آوته قطر وتبنته، ثم صدرته لاحقاً إلى ليبيا، ضمن خطتها التي وضع ملامحها ومعالمها القرضاوي وبقية جماعة "أخوان الشياطين"، من أجل المضي بليبيا إلى المجهول.
يحاجج الإرهابي بلحاج بأن قطر داعم أصيل في الحلول السياسية في ليبيا، وأن الدوحة تشجع تحول الحركات المسلحة إلى العمل السياسي، وفي نفس الوقت يوجه سهام الاتهامات لمصر والإمارات، ويصفهما بأنهما يمثلان الثورة المضادة للثورة الليبية التي تعرقل الحل السياسي في الداخل الليبي.
حديث الأفك عند بلحاج يمضي في توجيه اتهامات أشد قسوة للمشير خليفة حفتر، الرجل الوطني الذي يرفض تحويل ليبيا إلى دويلة خاضعة للقرار القطري، إذ يعتبره أداة لعسكرة ليبيا، ويكيل الاتهامات لأبنائه يميناً ويساراً.
يمضي الإعلام القطري، وراء الفكرة أو الشعار الذي روج له وزير الدعاية الألماني النازي الشهير "جوزيف جوبلز" ... "أكذب ... أكذب ... حتى يصدقك الناس".
غير أن قطر والقائمين على شؤونها يفوتهم أن دفع التاريخ قد غيّر من الآليات والوسائل التي باتت تمكن الناس من إدراك الحقائق، وأن حبال الكذب باتت قصيرة للغاية، فما يقال همساً في المخادع، أضحى الآن ينادي به من على السطوح، وصار القاصي والداني يعلم، ما الذي تقوم به مصر والإمارات من جهود لمحو وصمة العار التي  طبعتها قطر على الأراضي الليبية، وما تقترفه الأيادي القطرية الملوثة بدماء الليبيين وغيرهم.
المثال الثاني الذي يبين مدى الشر الكامن في العقلية القطرية يتضح لنا من خلال متابعة أحد المواقع الممولة من الدوحة تمويلاً فائق الوصف، فقد نشر الأيام الماضية تحقيقاً مطولاً عن "واحة الجغبوب"، وبدا واضحاً أن الكاتب لا تشغله الحقيقة الجغرافية أو التاريخية لتلك البقعة الصحراوية الواقعة على الحدود الغربية ما بين مصر وليبيا، بقدر ما يهمه وضع العصا في دوالايب العلاقات المصرية الليبية، من خلال محاولة إثارة الفتنة حول من الدولة الأحق بتلك الواحة، وهل على الليبيين التخلي عن سيادتهم عليها للمصريين، أم أنه يتحتم على المصريين إعادة سيطرتهم على الواحة بأي أسلوب، بل إن القصة المنشورة تستدعي أحداثا من سبعينيات القرن الماضي، وما جرى من مواجهات في زمن الرئيس السادات تجاه القذافي، وهي مشاهد في أضعف الإيمان، تثير الحنق والغضب والضيق في نفوس القراء والمستمعين، ما يعني أن المطلوب هو البحث عن "كعب أخيل" في العلاقة بين مصر وليبيا، ومحاولة زرع فتنة بين الجانبين، ونسي أو تناسى هؤلاء الذين لا دلالة لهم على الفكر الاستراتيجي عالي وغالي القيمة، أن ليبيا بالنسبة لمصر مسألة أمن قومي، وأن أمن وأمان واستقرار ليبيا قضية محورية بالنسبة لمصر.
يدرك أمراء الدوحة أن مصر الكنانة لم ولن تفرط يوماً في ذرة من أراضيها، لكن الوقيعة لا تنطلي عليها، فطروحاتها بل وشروحاتها من عقول أبنائها المصريين، وفارق السماء من الأرض، عند المقارنة التي لا تجوز أصلاً مع متلقي الأوامر صباح مساء كل يوم من السادة الحقيقيين.
يكاد الجنون يطبق على القيادة القطرية وهي ترى ذاتها مرفوضة من كافة أطراف الأزمة الليبية في باليرمو مؤخراً، وقد أنسحب وفدها يجر أذيال الخيبة، بل إن ما يدعوها لفقدان التوازن بعد كل الخراب الذي سببته أن ترى تقارباً أو تفاهماً بين حفتر والسراج، ما يعتبر "صفعة قوية" لمخططات الفوضى والفتنة الليبية في البلاد، لاسيما من خلال الدعم المالي والإعلامي الذي توفره الدوحة لمسلحي ومقاتلي الجماعات الإرهابية، ومن بينهم التابعون لتنظيم داعش والقاعدة فضلاً عن مسلحي جماعة الإخوان، والجماعة الليبية المقاتلة، والتي هي أحد أفرع تنظيم القاعدة، ويقوم عليها بلحاج بشكل شخصي.
الفتنة القطرية على الأراضي الليبية باتت مرصودة من وسائل الإعلام الدولية، عطفاً على أعين أجهزة الاستخبارات الدولية، وكلاهما رصد الكميات الهائلة من الأسلحة التي أرسلتها قطر إلى أفراد الجماعات والتنظيمات الإرهابية لتنفيذ المخطط الأوسع المشبوه، والذي ينتهي بتدمير ليبيا وتقسيمها إلى عدة دويلات، ما أشارت إليه صحيفة النيويورك تايمز في أكثر من تحقيق مطول لها.
مؤخراً صدر تقرير عنوانه "بين مصراتة والدوحة ... تراجع سنوات النفوذ"، وقام بنشره موقع بوابة "إفريقيا الإخبارية" وفيه معلومات شافية وافية عن الأدوار العديدة لفتنة قطر، فقد كانت منطقة مصراته، وإلى فترة قريبة جداً مركزاً من مراكز المشروع التدميري القطري، بفضل وجود قوى النفوذ الإخوانية فيها.
غير أن هذا النفوذ دخل أوان الانحسار والحصار إن صح التعبير، فقد كان صعود القوى الوطنية الليبية في الفترة الأخيرة، خصماً مباشراً من شبكة علاقات الدوحة الإرهابية في ليبيا، وبخاصة جماعات الإسلام السياسي التي استغلت تردي الأوضاع الأمنية لتمارس نفوذها، في عدة ملفات اقتصادية وأمنية.
الدوائر تدور على قطر، وحضورها في ليبيا حكماً لن يطول فمؤخراً طالبت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا مكتبي المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، والمفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، بالقيام بتحقيق أممي شامل تجاه الأدوار التخريبية القطرية في ليبيا.
لا يغيب عن ذهن القارئ اللبيب أن وزن قطر الدولي لا يساوي الحبر الذي يكتب به أي قرار أممي، ولهذا يبقى المشهد واضحاً، فالدوحة ليست إلا وكيلاً لحروب تديرها أقطاب دولية، وعلاقة الدوحة بالغاز الطبيعي ومشروعاته الطاقة في الشرق الأوسط والخليج العربي، لا يمكن توفيرها من مشهد تدخلاتها في ليبيا، وحسابات المستقبل بالنسبة لهذا النوع من أنواع الطاقة النظيفة والتي يحتاج إليها العالم وبخاصة أوروبا القريبة.
فتنة قطر في ليبيا وفي غيرها من دول المنطقة، دليل على الإزدواجية الأخلاقية للمجتمع الدولي البرجماتي الذي يوفر الحماية لقطر، غير أنها حماية قصيرة الأمد، سيما في ظل إعادة تشكيل المنطقة والعالم سياسياً وجيواستراتيجياً، وعلى الباغي تدور الدوائر.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات