سياسة

قطر ‬وحرب ‬الوثائق

الإثنين 2017.8.7 10:44 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 897قراءة
  • 0 تعليق
عبدالله بن بجاد العتيبي

في ‬كل ‬الأزمات ‬السياسية ‬والحروب ‬الباردة ‬والساخنة ‬يظهر سوق ‬لحروب ‬الوثائق ‬والتسريبات، ‬وفي ‬الأزمة ‬القطرية ‬خرج ‬الكثير ‬من ‬التسريبات، ‬وكلها ‬تدين ‬قطر ‬سياسياً ‬وأخلاقياً ‬وقانونياً، ‬ولكن ‬لم ‬يستخدم ‬من ‬حروب ‬الوثائق ‬والتاريخ ‬سوى ‬بعض ‬الوثائق ‬المعاصرة، ‬بعيداً ‬عن ‬استحضار ‬التاريخ ‬البعيد ‬والقريب. أحد ‬أوهام ‬الأمير ‬الوالد ‬في ‬قطر ‬هو ‬قناعته ‬الغريبة ‬بقدرته ‬على ‬الاستحواذ ‬على ‬المشروعية ‬السياسية ‬للدولة ‬السعودية، ‬بزعم ‬أنه ‬يمتلك ‬كل ‬مبررات ‬المشروعية ‬السياسية ‬لها ‬وإن ‬بتفسير ‬خاصٍ ‬به، ‬ومحاولة ‬عابثةٍ ‬لنقلٍ ‬ضخمٍ ‬لتاريخٍ ‬يمتد ‬لأكثر ‬من ‬ثلاثمائة ‬سنة ‬في ‬عمق ‬التاريخ، ‬والأوهام ‬حين ‬تكون ‬كبيرةً ‬وبلهاء ‬تودي ‬بصاحبها ‬للمهالك، ‬هذا ‬حديث ‬التاريخ ‬وحكمه.

زار ‬الأمير ‬الوالد ‬بقطر ‬في ‬27 ‬أبريل ‬الماضي ‬مسقط ‬رأس ‬أجداده ‬في ‬مدينة ‬أشيقر ‬السعودية، ‬وهو ‬الاسم ‬الذي ‬اختاره ‬لطائرته ‬الخاصة ‬ضمن ‬منظومةٍ ‬تبناها ‬لطرح ‬نفسه ‬بديلاً ‬لسرقة ‬المشروعية ‬السياسية، ‬منها ‬الديني ‬والمذهبي ‬والاجتماعي ‬وغيرها، ‬ونسي ‬أن ‬كل ‬نجاح اعتقد ‬أنه ‬حققه ‬في ‬هذا ‬السبيل ‬كان ‬سيتحول ‬لدليل ‬إدانة ‬لا ‬يرقى ‬إليه ‬الشك ‬حين ‬تلتفت ‬له ‬الدولة ‬القائدة ‬والرائدة ‬في ‬المنطقة ‬والعالم.

دأب ‬الأمير ‬الوالد ‬على ‬إلقاء ‬محاضراتٍ ‬مطولةٍ ‬لبعض ‬زواره ‬العرب ‬والغربيين ‬عن ‬استحقاقه ‬لكثير ‬من ‬إرث ‬الدولة ‬السعودية ‬التاريخي ‬والمستحق ‬لها ‬بفعل ‬قادتها ‬والأسرة ‬الحاكمة ‬فيها، ‬هو ‬تاريخ ‬يشهد ‬به ‬الواقع ‬الحديث ‬للدولة ‬الحديثة ‬كما ‬يؤكده ‬التاريخ ‬وأحداثه ‬ووقائعه، ‬ولكن ‬الجاهل ‬وحده ‬هو ‬من ‬يتعامى ‬عن ‬متون ‬التاريخ ‬ويلجأ ‬لهوامشه، ‬وعن ‬الواقع ‬المعيش ‬وتوازناته ‬ليعيش ‬على ‬أوهام ‬أوهن ‬من ‬بيت ‬العنكبوت، ‬ينتقي ‬من ‬التاريخ ‬ما ‬يريد ‬ويركبه ‬كيف ‬شاء، ‬متعامياً ‬عن ‬الحقائق ‬والوثائق.

من ‬أشهر ‬نماذج ‬ضرب ‬نموذجه ‬المهترئ ‬الذي ‬بناه ‬بيان ‬أسرة ‬آل ‬الشيخ ‬في ‬السعودية ‬بنفي ‬انتسابه ‬المزعوم ‬للشيخ ‬محمد ‬بن ‬عبد ‬الوهاب، ‬وأنه ‬ليس ‬من ‬نسل ‬الشيخ، ‬ولم ‬يكن ‬الشيخ ‬قط ‬جدّه ‬السادس ‬عشر ‬كما ‬صرّح ‬هو ‬بنفسه ‬لمعمر ‬القذافي ‬حين ‬كان ‬يتآمر ‬معه ‬ضد ‬السعودية. نسي ‬الأمير ‬الوالد ‬فيما ‬نسي ‬أن ‬دعوة ‬التوحيد ‬التي ‬تسمى ‬حيناً ‬بالوهابية ‬–مع ‬اختلافٍ ‬معروفٍ ‬في ‬صحة ‬التسمية- لم ‬تنازع ‬يوماً ‬الأسرة ‬الحاكمة ‬في ‬السلطة ‬السياسية، ‬بل ‬كانت ‬على ‬طول ‬تاريخها ‬تتبع ‬القائد ‬السياسي، ‬ولم ‬تفكر ‬يوماً ‬في ‬خلق ‬جماعاتٍ ‬أو ‬تنظيماتٍ ‬تستحوذ ‬على ‬السلطة ‬أو ‬تتغلغل ‬في ‬الدولة ‬بغرض ‬إسقاطها، ‬بل ‬ولاء ‬مطلقٌ ‬للقائد ‬السياسي ‬وعدم ‬منازعةٍ ‬له ‬تحت ‬أي ‬ذريعةٍ ‬دينيةٍ، ‬وقصارى ‬أمر ‬المعترضين ‬هو ‬العزلة ‬الزهدية.

إن ‬فكرة ‬استخدام ‬الوهابية ‬كوسيلةٍ ‬للوصول ‬للسلطة ‬السياسية ‬إنما ‬ورثها ‬الأمير ‬الوالد ‬من ‬جماعة ‬«الإخوان ‬المسلمين» ‬ورموزها ‬وخطابها ‬الذي ‬تربى ‬ونشأ ‬عليه، ‬وهو ‬الخطاب ‬الذي ‬يبيح ‬استخدام ‬الدين ‬والطائفة ‬والمذهب، ‬وكل ‬مقدسٍ، ‬لخدمة ‬الطموح ‬السياسي، ‬وحين ‬يحسب ‬أي ‬قائدٍ ‬سياسي ‬بأنه ‬قادر ‬على ‬معاكسة ‬التاريخ ‬ومعاندة ‬منطقه، ‬فإنه ‬لا ‬يبوء ‬إلا ‬بالفشل ‬الذريع، ‬ووصمة ‬عار ‬التاريخ ‬والواقع.

لو ‬فتش ‬الأمير ‬الوالد ‬عن ‬باحثٍ ‬جادٍ ‬أو ‬مؤرخٍ ‬محترفٍ ‬لهدم ‬له ‬رؤيته ‬وفكره ‬في ‬لحظاتٍ، ‬ولكن ‬ضخامة ‬الوهم ‬تعمي ‬عن ‬رؤية ‬الحقائق. بعد ‬الأزمة ‬القطرية ‬حريٌ ‬بالباحثين ‬والمؤرخين ‬ومراكز ‬الدراسات ‬والبحوث ‬تنبيه ‬الغافل ‬وتعليم ‬الجاهل، ‬ونشر ‬الوثائق ‬التاريخية ‬الموثقة ‬واستثمارها ‬في ‬توعية ‬الأجيال ‬والعالم ‬عن ‬أبعاد جديدة ‬لأزمة ‬معاصرةٍ، ‬تمنح ‬الحق ‬لأصحابه ‬وتفضح ‬حجم ‬الجناية ‬والخديعة ‬والخيانة.

أخيراً، ‬فثمة ‬وثائق ‬وأحداث ‬تاريخية ‬بالغة ‬الأثر ‬في ‬توضيح ‬الأبعاد ‬التاريخية ‬لأزمة ‬قطر ‬مع ‬دول ‬الجوار ‬في ‬السعودية ‬والإمارات ‬والبحرين، ‬والتاريخ ‬شاهدٌ ‬لا ‬يكذب، ‬والوثائق ‬دليلٌ ‬لا ‬يرد، ‬وهي ‬حين ‬يتمّ ‬استخدامها ‬بالطريقة ‬الصحيحة ‬كافيةٌ ‬لمنح ‬الأزمة ‬الحالية ‬ما ‬تستحقه ‬من ‬عمقٍ ‬وما ‬تبلغه ‬من ‬جذور، ‬وما ‬تحطمه ‬من ‬أوهامٍ.

نقلا عن "الاتحاد"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات