«صدمة» فرجينيا تعيد رسم معركة الكونغرس لصالح الجمهوريين
حقق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والجمهوريون «انتصارا كبيرا»، الجمعة، بعدما أبطلت المحكمة العليا في ولاية فيرجينيا خريطة انتخابية للكونغرس كان الناخبون قد أقرّوها، وكانت تصب في مصلحة الديمقراطيين.
ويُسرّع القرار من التحول السريع في معركة إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية منتصف العقد، معززا نفوذ الجمهوريين قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.
ومع تحركات جمهورية جديدة لإعادة رسم الدوائر في ولايتي تينيسي وألاباما، قد يترجم القرار إلى مكاسب عدة مقاعد إضافية في مجلس النواب قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.
وكتب القاضي دي آرثر كيلسي في رأي الأغلبية: «هذا الانتهاك شوّه بشكل لا يمكن إصلاحه نتيجة الاستفتاء وأفقدها أثرها القانوني»، مشيرا إلى مخالفات إجرائية في الطريقة التي عرض بها مشرّعو فيرجينيا التعديل الدستوري على الناخبين.
لماذا يكتسب التحول أهمية؟
يمثل هذا التتابع من الانتكاسات تحولا دراماتيكيا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل ستة أشهر فقط، حين دفعت عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025 والنهج الجمهوري الهجومي في إعادة ترسيم الدوائر، الديمقراطيين لمحاولة تنفيذ عمليات إعادة رسم مضادة في منتصف العقد.
وسعت ولايات كاليفورنيا ويوتا وفيرجينيا إلى اعتماد خطط تهدف إلى الحد من المكاسب الجمهورية.
لكن هذه الجهود تنهار الآن تحت ضغط قانوني وسياسي، ما يضع الجمهوريين في موقع يسمح لهم بإضافة ما بين 6 و7 مقاعد إضافية في مجلس النواب على مستوى البلاد قبل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، بحسب صحيفة «نيوزويك» الأمريكية.
صدمة فيرجينيا
كان ناخبو فيرجينيا قد أقروا بفارق ضئيل الخريطة الجديدة في 21 أبريل/نيسان، وهو ما اعتبره الديمقراطيون المحليون ردا على تكتيكات الجمهوريين في ولايات تكساس وميزوري وكارولاينا الشمالية.
وكان الديمقراطيون يأملون بالفوز بجميع المقاعد الـ11 للولاية باستثناء مقعد واحد وفق التقسيم الجديد، لكن قرار المحكمة جعل نتيجة الاستفتاء بلا قيمة.
وركزت أغلبية المحكمة، في قرار صدر بأغلبية 4 مقابل 3، ليس على الأثر الحزبي للخرائط بل على توقيت إقرارها تشريعيا. واعتبرت المحكمة أن المشرعين وافقوا لأول مرة على التعديل الدستوري في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بينما كان التصويت المبكر للانتخابات العامة جاريا بالفعل.
وينص دستور فيرجينيا على ضرورة إقرار أي تعديل دستوري خلال دورتين تشريعيتين منفصلتين تتخللهما انتخابات.
وبحلول التصويت الأول للبرلمان، كان أكثر من 1.3 مليون ناخب قد أدلوا بأصواتهم بالفعل، أي ما يعادل نحو 40% من إجمالي الأصوات التي أُدلي بها في تلك الانتخابات.
حرب إعادة ترسيم الدوائر
في المقابل، حذّرت رئيسة المحكمة العليا في فيرجينيا كليو باول في رأيها المخالف من أن منطق الأغلبية يخلق «سابقة خطيرة»، مضيفة: «تعريف الأغلبية يخلق حلقة تصويت لا نهائية يبدو أنه لا بداية واضحة لها، بل نهاية واحدة فقط هي يوم الانتخابات».
وأعرب رئيس مجلس نواب فيرجينيا الديمقراطي دون سكوت عن إحباطه قائلا إن الناخبين «صوتوا بنعم لأنهم أرادوا التصدي لمحاولة ترامب الاستحواذ على السلطة»، مضيفًا: «نحترم قرار المحكمة»، لكنه اعتبر أنه ألغى إرادة الناخبين.
كما انتقد رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن الحكم، متهما «قضاة غير منتخبين في المحكمة العليا بفيرجينيا» بتقديم «السياسة الحزبية على إرادة الشعب» عبر إبطال الاستفتاء ورفض «أصوات ملايين سكان فيرجينيا».
وأكد: «ليست هناك أي نية لدى الديمقراطيين للاستسلام بينما يقوض الجمهوريون ديمقراطيتنا لترسيخ سلطتهم. سنستخدم كل الأدوات المتاحة لنا، من المحاكم إلى الكونغرس والرأي العام، للدفاع عن الانتخابات العادلة والتمثيل الديمقراطي وحق التصويت».
في المقابل، رفضت رئيسة لجنة الحملة الديمقراطية للكونغرس سوزان ديلبيني اعتبار القرار ضربة معنوية للحزب، قائلة إن الناخبين «سيمنحون الديمقراطيين الأغلبية في مجلس النواب في نوفمبر».
موجة جنوبية
تحركت ولاية تينيسي بسرعة الجمعة، إذ أقر الجمهوريون في مجلس النواب خريطة انتخابية جديدة تقسم مقاطعة شيلبي، التي تضم مدينة ممفيس ذات الأغلبية السوداء الكبيرة، إلى ثلاث دوائر منفصلة.
ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى إلغاء المقعد التاسع الذي يشغله النائب الديمقراطي ستيف كوهين، ما يجعل وفد الولاية في مجلس النواب جمهوريا بالكامل.
وشهدت الجلسة احتجاجات حادة، إذ انسحب الديمقراطيون من القاعة، بينما قامت شرطة الولاية بإخلاء الشرفات بعد تعالي أصوات المحتجين بما عطل عملية التصويت.
ودافع رئيس مجلس نواب تينيسي كاميرون سيكستون عن الخريطة الجديدة بعبارات حزبية واضحة، قائلا إن المحكمة العليا الأمريكية رأت أن «إعادة ترسيم الدوائر، مثل النظام القضائي، يجب أن تكون عمياء تجاه اللون»، مضيفا أن تينيسي يمكنها إعادة رسم الدوائر «على أسس سياسية حزبية».
وقال إن الخطة الجديدة «ستقلل مخاطر الطعون القانونية المستقبلية وتعزز المحافظة الاستراتيجية».
وكان حاكم تينيسي بيل لي قد وقع قبل ساعات قانونا يلغي الحظر القائم منذ عقود على إعادة ترسيم الدوائر في منتصف العقد، ممهدًا الطريق لعقد جلسة تشريعية خاصة.
ووصف مشرعون ديمقراطيون، بينهم النائب جاستن بيرسون، الدوائر الجديدة بأنها «أدوات عنصرية للتفوق الأبيض»، رغم أن بيرسون نفسه كان قد نافس كوهين سابقا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، واعتبر أن إعادة الترسيم ذات دوافع حزبية أكثر من كونها عرقية.
ألاباما وفلوريدا ولويزيانا
وسارت ألاباما في الاتجاه نفسه، إذ أعلنت الحاكمة كاي آيفي عقد جلسة تشريعية خاصة في 4 مايو/أيار لإقرار خرائط انتخابية جديدة.
وتواجه ألاباما حاليا أمرا قضائيا اتحاديا يمنع اعتماد خرائط جديدة حتى عام 2030، لكن مسؤولين جمهوريين طلبوا من المحكمة العليا الأمريكية تدخلا عاجلا.
أما فلوريدا فقد أقرت بالفعل دوائر جديدة في عهد الحاكم رون ديسانتيس قد تمنح الجمهوريين ما يصل إلى أربعة مقاعد إضافية.
وفي لويزيانا، جرى تعليق الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب بعد حكم يتعلق بقانون حقوق التصويت، لإتاحة الوقت أمام المشرعين لإعادة رسم الدوائر، رغم استمرار الطعون القانونية.
كما وافق مجلس نواب كارولاينا الجنوبية على تعديل يسمح للمشرعين بإعادة رسم دوائر قد تؤدي إلى إلغاء المقعد الديمقراطي الوحيد في الولاية، الذي يشغله النائب جيم كلايبورن.
آمال الديمقراطيين
جاء هذا التطور بعد قرار المحكمة العليا الأمريكية الأسبوع الماضي في قضية لويزيانا ضد كاليه، الذي ضيّق بشكل كبير نطاق استخدام الاعتبارات العرقية في إعادة ترسيم الدوائر للامتثال لقانون حقوق التصويت.
وفي قرار صدر بأغلبية 6 مقابل 3، اعتبرت الأغلبية المحافظة في المحكمة أن ولاية لويزيانا انتهكت بند الحماية المتساوية عندما أنشأت دائرة انتخابية ثانية ذات أغلبية سوداء امتثالا للمادة الثانية من قانون حقوق التصويت.
وأثار الحكم موجة تحركات بين حكام جمهوريين في الجنوب الأمريكي، دعوا فيها البرلمانات المحلية إلى إعادة النظر في الخرائط الانتخابية وفق الإطار القانوني الجديد.
ويرى مدافعون عن حقوق التصويت أن القرار يمثل أضعف حماية لقانون حقوق التصويت منذ عقود، وقد يؤدي إلى أكبر تراجع في تمثيل السود داخل الكونغرس خلال جيل كامل.
وقبل هذا الحكم، كان الجمهوريون يتقدمون بشكل طفيف في سباق إعادة ترسيم الدوائر منتصف العقد، الذي انطلق بتحريض مباشر من ترامب عام 2025.
وكان الحزب الجمهوري مرشحا لإضافة مقعدين أو ثلاثة عبر إعادة رسم الدوائر في ولايات مثل تكساس وفلوريدا وميزوري وكارولاينا الشمالية وأوهايو، بينما حاول الديمقراطيون التعويض عبر كاليفورنيا ويوتا.
لكن قرار المحكمة العليا، إلى جانب موجة إعادة الترسيم الجديدة في الجنوب، قد يضاعف هذه المكاسب الجمهورية، إذ يقدّر محللون سياسيون أن الجمهوريين باتوا في طريقهم لإضافة ما بين 6 و7 مقاعد جديدة قبل انتخابات 2026، إذا استمرت خريطة فيرجينيا معلقة وفشلت التحركات الديمقراطية المضادة.
ورغم ذلك، يشير استراتيجيون ديمقراطيون إلى أن التغييرات الكبرى في الخرائط الانتخابية نادرا ما تؤدي وحدها إلى تغيير أكثر من مقعدين أو ثلاثة، وغالبا ما ترتبط بموجات سياسية أوسع لصالح أحد الحزبين.
وقال الاستراتيجي الديمقراطي دوغ غوردون لمجلة نيوزويك: «رغم أن ستة أشهر فترة طويلة في السياسة، فإنني أفضل أن أكون في موقع الديمقراطيين لا الجمهوريين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي».
وباتت آمال الحزب الديمقراطي الآن معلقة على مزاج الناخبين في نوفمبر/تشرين الثاني، وما إذا كان بإمكانه تجاوز المزايا الهيكلية التي انتزعها الجمهوريون عبر التقاضي وإعادة ترسيم الدوائر، وهي النتيجة نفسها التي كان الديمقراطيون يأملون تحقيقها قبل أيام قليلة فقط.