من محدودي الدخل للأثرياء.. لماذا أصبح السكن في فرنسا حلما للجميع؟
كشفت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن أزمة السكن في فرنسا لم تعد تقتصر على محدودي الدخل أو فئات محددة.
وقالت الصحيفة إن الأزمة أصبحت تؤثر على جميع الأعمار والشرائح الاجتماعية، من الطلاب والشباب وحتى العائلات التي ترغب في التوسع والمسنين.
وأشارت الصحيفة إلى أزمة السكن في فرنسا تعود إلى تضاعف أعداد الأسر نتيجة النمو السكاني وتزايد ظاهرة الانفصال والعيش الفردي، في الوقت الذي يتباطأ فيه نمو حجم المعروض من المساكن.
ونقلت الصحيفة الفرنسية عن ماريون، 56 عامًا، مديرة الموارد البشرية السابقة، تجربتها الشخصية قائلة إن فقدانها لوظيفتها في بداية 2025 حول وضعها المعيشي من مستقر إلى هش.
وأضافت أنه بعد فترة قضتها في جنوب فرنسا أثناء جائحة كوفيد-19، اضطرت للعودة إلى باريس لتستأجر مسكنًا مفروشًا بأسعار مرتفعة، غير قادرة على الحصول على عقد إيجار تقليدي.
وأوضحت: "56% من إعاناتي الشهرية تذهب في إيجار السكن، والباقي بالكاد يكفي لتغطية المصاريف الأساسية مثل الكهرباء والهاتف والإنترنت والتأمين الغذاء".
وأضافت أن أصحاب العقارات يشترطون عقود عمل دائمة لضمان دفع الإيجارات، ما يجعل الباحثين عن سكن في وضع غير مستقر في مأزق حقيقي.
وتشير استطلاعات الرأي، مثل دراسة أودوكسا الصادرة في نوفمبر 2025، إلى أن سبعة من كل عشرة فرنسيين يجدون صعوبة في العثور على سكن في مدينتهم، وأن السكن أصبح أهم أولوية مالية للأسر، حيث يمثل نحو ثلث الدخل الشهري.

وبين عامي 1996 و2023، ارتفعت أسعار المساكن بنسبة 88% مقارنة بزيادة 13% فقط في متوسط الدخل، ما جعل الحصول على ملكية عقارية أكثر صعوبة.
فقد أصبح على المشتري المستقبلي اليوم الاستدانة لمدة 25 عامًا تقريبًا مقابل 15 عامًا قبل عقدين، مع تحمل نسب عبء مالي أعلى وانخفاض القدرة الشرائية.
تعود أسباب ارتفاع الأسعار جزئيًا إلى انخفاض معدلات الفائدة وإطالة مدة القروض العقارية، إضافة إلى تشجيعات ضريبية للاستثمار في العقارات المؤجرة مثل برامج Robien وPinel، لكن السبب الرئيسي يكمن في النقص المزمن في المعروض مقابل الطلب المتزايد، خصوصًا في المدن الكبرى والمناطق السياحية.
فبينما زادت أعداد الأسر وقل حجم كل أسرة، ارتفع عدد المساكن الشاغرة والإقامات الثانوية، ما زاد من حدة الأزمة.
وأثرت الأزمة أيضًا على سوق الإيجار، حيث أدت التطلعات المتزايدة للعيش في المدن الكبرى والمناطق الساحلية إلى مزيد من الضغط على الطلب، فيما ساهمت الإجراءات المالية مثل رفع أسعار الفائدة المفاجئ في فبراير 2022، لمواجهة التضخم أثناء الحرب في أوكرانيا، في تقليص القدرة على شراء المساكن ووقف المعاملات الجديدة.
ولم يسهم هذا فقط في تباطؤ سوق العقارات الجديدة، بل أوقف الكثير من الأسر عن تحرير مساكنها للإيجار، ما أثر على استقلالية الشباب وحركتهم الجغرافية.
على الرغم من بعض بوادر التعافي في سوق العقارات القديمة بعد استقرار أسعار الفائدة عند نحو 3% بحلول سبتمبر 2025، لا يزال سوق المساكن الجديدة هشًا، حيث تم البدء فقط في بناء 272,700 مسكن خلال 12 شهرًا، أي أقل بنسبة 22% من المتوسط السنوي خلال السنوات الخمس السابقة، وهو مستوى قياسي منخفض.
ولهذا السبب، اقترحت دومينيك إستروسي-ساسون في مجلس الشيوخ وضع أهداف وطنية لبناء نحو 400,000 مسكن سنويًا بحلول عام 2030 لضمان كفاية العرض.
من جهة أخرى، ساهمت رغبة الملاك في تأجير الشقق للموسمية، التي تحقق أرباحًا أعلى من الإيجارات التقليدية، وبيع الشقق القديمة غير المؤهلة للإيجار، في تفاقم نقص المساكن، مع زيادة الضغط على السكن الاجتماعي، حيث ينتظر اليوم نحو 2.9 مليون أسرة الحصول على شقة ضمن الإسكان الاجتماعي.
ووفقا للصحيفة الفرنسية فإن الأزمة لها تأثير امتد ليشمل سوق العمل والإنجاب، إذ أصبحت صعوبة الحصول على سكن بأسعار مناسبة عائقًا أمام الوظائف منذ ثلاث سنوات، وبدأت تؤثر على معدلات الولادة التي تشهد انخفاضًا مستمرًا في فرنسا، لتصبح قضية محورية في النقاشات السياسية قبيل الانتخابات البلدية في مارس 2026.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMjE0IA== جزيرة ام اند امز