«حرب كبرى مع الناتو».. روسيا ترفع سقف التحدي
وسط تصاعد حدة التهديدات المتبادلة بين موسكو والغرب، خرج منظمو أبرز مهرجان روسي للطائرات المسيّرة عن الخطاب الرسمي للكرملين، متعهدين صراحة بالاستعداد لمواجهة عسكرية واسعة مع حلف شمال الأطلسي.
ففي مؤتمر «درونيتسا» السنوي، الذي يجمع مصنّعي ومشغّلي الطائرات المسيّرة، حدد المنظمون هدفين رئيسيين لنسخة هذا العام هما: «الاستعداد لحرب كبرى مع الناتو» و«قلب موازين حرب المسيّرات الحالية لصالحنا».
هذه التصريحات، بحسب مجلة نيوزويك، تأتي في وقت يصرّ فيه الكرملين على أن موسكو لا تعتزم مهاجمة أي دولة من دول الحلف، واصفاً هذا السيناريو بأنه «هراء»، غير أن وقائع الميدان وإيقاع الصناعات الدفاعية يرويان حكاية مختلفة.
أوكرانيا.. مختبر النار الذي أربك حسابات الغرب
تحول النزاع في أوكرانيا، الذي دخل عامه الرابع والنصف، إلى بوتقة هائلة لتطوير تكنولوجيا الطائرات المسيّرة واستراتيجيات استخدامها.
لقد برزت كل من روسيا وأوكرانيا بوصفهما رائدتين عالميتين في توظيف التكنولوجيا غير المأهولة في الحروب، متجاوزتين بذلك دول الناتو التي تسابق الزمن لاستيعاب تكتيكات صُقلت في سهول أوروبا الشرقية.
ولم يعد تفوق الحلف النظري كافياً لطمأنة عواصمه، إذ توغلت طائرات روسية وأوكرانية من دون طيار مراراً في المجال الجوي لدول الناتو، مما كشف عن ثغرات خطيرة في نشر أنظمة الدفاع المضادة للمسيّرات، وأظهر مدى ضعف الجيوش الغربية إزاء هجمات رخيصة الكلفة وعالية التأثير.
يُعقد مؤتمر «درونيتسا» هذه السنة على مدى يومين في أواخر أغسطس/آب المقبل بمدينة فيليكي نوفغورود غرب روسيا، بعد أن استقطبت نسخته لعام 2025 أكثر من ألفي مشارك.
وقد ناقشت الدورات السابقة سبل تدريب المشغلين، وتشكيل قوات متخصصة بالمسيّرات، ومعالجة «الأخطاء» التي تعتري استخدام الجيش الروسي لهذه المنظومات.
بيد أن الهدف المعلن هذا العام ينقل النقاش من مربع تحسين الأداء التكتيكي في أوكرانيا إلى أفق مواجهة استراتيجية شاملة مع الحلف الأطلسي، في إشارة لا تخلو من مغزى.
حرب هجينة وتحذيرات استخباراتية.. الشرق الأوروبي في مرمى الاختبار
لا يقتصر القلق على نبرة مؤتمر «درونيتسا» وحدها، بل تغذيه تحذيرات استخباراتية متصاعدة من دول الجوار. ففي الشهر الماضي، كشف تقرير لاتفي عن أن روسيا تحضّر لـ«استفزازات عسكرية» تستهدف دول البلطيق أو بولندا، وإن لم ترتقِ هذه التحركات إلى مستوى هجوم مسلح شامل.
وتزامن ذلك مع إجراء المملكة المتحدة مناورات عسكرية تحاكي رد الناتو على سيناريو غزو روسي مفترض لدول البلطيق في عام 2030.
وكان الأمين العام للحلف، مارك روته، قد حذر في ديسمبر/كانون الأول الماضي من أن الناتو بحاجة إلى أن يكون جاهزاً لمواجهة «حجم الحرب الذي عانى منه أجدادنا»، قائلاً إن الحلف هو «الهدف الروسي التالي» في تصريحات وصفها الكرملين بأنها «غير مسؤولة».
ويؤكد مسؤولون غربيون أن روسيا تخوض فعلاً حرباً «هجينة» ضد الناتو، عبر مزيج من الهجمات الإلكترونية والحملات الإعلامية واستهداف بنى تحتية حساسة كشبكات الكهرباء والكابلات البحرية.
وفي ظل هذه الأجواء، تسارعت خطى الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي، فيما خصصت موسكو بالفعل حصة ضخمة من ناتجها المحلي للجيش، وصارت تنتج شهرياً مئات الدبابات والمدرعات وأنظمة المدفعية.
ورغم أن محادثات السلام التي تقودها واشنطن تعثرت مؤقتاً بفعل انشغال البيت الأبيض بالحرب مع إيران، فإن كييف تحذر مراراً من أن أي اتفاق سلام سيحرر مئات الآلاف من الجنود الروس من جبهات القتال، مما قد يغري موسكو بتوجيه آليتها العسكرية نحو أهداف جديدة.
وفي خلفية المشهد، تبقى حقيقة أن روسيا أنكرت أيضاً أي خطط للغزو قبل أسابيع من هجومها الشامل على أوكرانيا، مما يجعل الرهان على التطمينات الرسمية وحده مغامرة لا تحتملها دول ظلت ترى في الشرق جبهة ملتهبة تنتظر شرارة الغد.