جدل النصب السوفياتية في أوروبا بين ذاكرة التحرير وإرث الدعاية
في قلب حديقة تريبتو الواقعة شرقي برلين، يواصل تمثال الجندي السوفياتي العملاق وقوفه منذ أكثر من سبعة عقود، شاهداً على واحدة من أكثر صفحات التاريخ الأوروبي تعقيداً.
يرتفع التمثال البرونزي نحو ثلاثين متراً، مجسداً جندياً من الجيش الأحمر يحمل طفلاً ألمانياً بين ذراعيه بينما يهوى بسيفه على صليب معقوف محطم، في صورة صُممت لتجسد انتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية ونهاية الحرب العالمية الثانية.
يضم الموقع، الذي أُنشئ تخليداً لذكرى معركة برلين عام 1945، رفات أكثر من سبعة آلاف جندي سوفياتي سقطوا في الأيام الأخيرة للحرب، وتحيط به ستة عشر كتلة حجرية ضخمة نُقشت عليها اقتباسات لزعيم الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين بأحرف مذهبة.
وعلى مدى عقود طويلة، تعامل الألمان والزوار الأجانب مع المكان باعتباره معلماً تاريخياً وسياحياً بارزاً، بعيداً عن أي سجال سياسي أو أيديولوجي.

غير أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022 أعاد فتح ملفات الذاكرة التاريخية في أنحاء أوروبا، وحوّل العديد من النصب السوفياتية من مواقع تذكارية صامتة إلى ساحات نقاش محتدم حول العلاقة بين التاريخ والدعاية السياسية.
فمع استخدام الكرملين المتكرر لإرث "الجيش الأحمر المحرر" في خطابه السياسي المعاصر، بدأت تتصاعد الأصوات المطالبة بإعادة قراءة هذه الرموز ووضعها ضمن سياقها التاريخي الكامل.
وفي هذا الإطار، يقود ألكسندر فراير-فينترفرب، ممثل حي تريبتو-كوبينيك عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، مبادرة داخل برلمان برلين لتشكيل لجنة من الخبراء والمؤرخين تتولى دراسة سبل تقديم قراءة أكثر توازناً للموقع.
ويؤكد أن الهدف ليس إزالة النصب أو طمس التاريخ، بل توفير سياق تاريخي أوسع يتيح للزوار فهم الوقائع بصورة أكثر شمولاً.

ويشير فراير-فينترفرب إلى أن النقوش الموجودة في الموقع تؤرخ للحرب بين عامي 1941 و1945 فقط، متجاهلة السنوات الأولى من الصراع العالمي، بما في ذلك الغزو الألماني لبولندا عام 1939 واتفاق مولوتوف-ريبنتروب السري بين هتلر وستالين الذي مهّد لتقسيم مناطق واسعة من أوروبا الشرقية.
ويرى أن تجاهل هذه الحقائق يمثل ظلماً للشعوب التي عانت ويلات الاحتلالين النازي والسوفياتي معاً، مقترحاً إضافة لوحات تفسيرية عند مداخل الموقع توضح هذه الخلفيات التاريخية.
بين التأطير والإزالة.. أوروبا تبحث عن صيغة للتاريخ
تُعد هذه المقاربة المعتدلة أقل حدة بكثير من السياسات التي تبنتها دول أخرى في شرق أوروبا. ففي بولندا ودول البلطيق، أُزيلت خلال السنوات الأخيرة عشرات النصب التذكارية المرتبطة بالجيش الأحمر، بعدما اعتُبرت رموزاً للاحتلال السوفياتي والهيمنة الروسية أكثر من كونها شواهد على التحرير.
وردت موسكو على هذه الإجراءات بخطوات مماثلة استهدفت بعض النصب التذكارية المرتبطة بمواطني تلك الدول الذين قضوا في معسكرات العمل السوفياتية.
وفي ألمانيا، لم تمر فكرة إضافة لوحات تفسيرية من دون اعتراضات، إذ واجهت انتقادات من تيارات متناقضة على جانبي الطيف السياسي، ما يعكس حساسية ملف الذاكرة التاريخية في بلد جعل من مواجهة ماضيه جزءاً أساسياً من هويته السياسية والثقافية بعد الحرب العالمية الثانية.
أما الناشطة الأوكرانية إيفا ياكوبوفسكا، المنتمية إلى منظمة "فيتشه" في برلين، فترى أن المشكلة تتجاوز مجرد غياب السياق التاريخي. وتؤكد أن السلطات الروسية تستخدم هذه المواقع باعتبارها أدوات رمزية لترسيخ سردية سياسية تقوم على فكرة "الحماية" و"الدفاع عن النفس"، وهي السردية نفسها التي استُخدمت لتبرير السياسات الروسية تجاه أوكرانيا منذ عام 2014.
لذلك تدعو ياكوبوفسكا إلى الاستثمار في مشاريع تعليمية وفنية وثقافية مرافقة للنصب التذكارية، تتيح تقديم روايات متعددة للتاريخ وتمنع احتكار الذاكرة أو توظيفها سياسياً. وتؤكد أن المسؤولية التاريخية لألمانيا ينبغي أن تنصب على احترام ذكرى الضحايا والجنود الذين سقطوا في الحرب، لا على تبني الروايات السياسية التي تُستخدم اليوم باسمهم.

ذاكرة الماضي وأسئلة المستقبل
وترى المؤرخة البولندية هانا رادزيوفسكا، مديرة معهد بيلكي، أن الجدل الدائر حول النصب السوفياتية يمنح ألمانيا فرصة لإعادة تقييم الطريقة التي تتعامل بها مع الذاكرة الجماعية للحرب.
وتتساءل عن أسباب غياب نصب ضخمة مماثلة للجنود الأمريكيين والبريطانيين الذين ساهموا أيضاً في تحرير أوروبا من النازية، معتبرة أن هذه المواقع لم تكن مجرد تكريم للقتلى، بل حملت كذلك رسائل سياسية مرتبطة بإظهار النفوذ السوفياتي بعد الحرب.
وبين الدعوات إلى الحفاظ على النصب وإعادة تأطيرها تاريخياً، وبين المطالب بإزالة بعضها أو إعادة تفسير رموزها، يبقى تمثال الجندي السوفياتي في برلين شاهداً على معضلة أوروبية معقدة: كيف يمكن تكريم ضحايا الحروب وحفظ الذاكرة الجماعية، دون أن تتحول تلك الذاكرة إلى أداة للصراع السياسي أو وقوداً لنزاعات المستقبل؟