صاروخ باهظ ومنطاد «بريء».. قصة ارتباك في سماء أمريكا
كشفت صحيفة واشنطن بوست عن واقعة تجسّد حجم الارتباك الذي انتاب دوائر القرار الأمريكية عقب حادثة المنطاد الصيني، حين أقدمت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، خلال ولايته، على تدمير منطاد تابع لجمعية الكشافة الأمريكية.
وذلك باستخدام صاروخ تجاوزت كلفته نصف مليون دولار.
ففي الثاني عشر من فبراير/شباط عام 2023، دفع سلاح الجو الأمريكي بطائرة مقاتلة من طراز إف-16 إلى مواجهة ما وُصف حينها بأنه «جسم طائر مجهول» يحلّق فوق بحيرة هورون، ليتم تدميره بالكامل، ويُرجّح أن الصاروخ المستخدم كان من طراز إيه آي إم-9 سايدويندر.
وأظهر مقطع فيديو نشرته وزارة الحرب ضمن الدفعة الثانية من ملفات الأجسام الطائرة المجهولة، جسماً أسود يتدلى منه خيط، ظل في مرمى نيران المقاتِلة بضع ثوانٍ فقط قبل لحظة الإبادة.
لم يكن هذا الجسـم سوى منطاد يتبع لمشروع بحثي لإحدى فرق الكشافة، بحسب ما أكّده شون كيركباتريك، الرئيس السابق لمكتب حل الظواهر الغريبة في جميع المجالات، مشيراً إلى أن المنطاد كان قد طاف حول الكرة الأرضية ثماني مرات قبل أن يُسقط بذلك الصاروخ الباهظ التكلفة.
وأضاف كيركباتريك، في مؤتمر عُقد في أبريل/ نيسان الماضي، أن إطلاع أعضاء الكونغرس على ملابسات الحادث أثار ردود فعل لا تخلو من الدهشة والاستياء.
من جانبه، أوضح تيم فيليبس، المدير المؤقت السابق للمكتب نفسه، أن وزارة الدفاع الأمريكية أفرطت في رد الفعل عقب فضيحة المنطاد الصيني، لتُطلق النار على كل ظاهرة غريبة غير محددة الهوية رصدتها أجهزتها.
تأتي هذه الواقعة في سياق سلسلة من الاستجابات المتعثّرة والمكلفة التي أعقبت حالة الاستنفار التي خلّفها منطاد التجسس الصيني، حين تقاعست الإدارة الأمريكية طيلة خمسة أيام بينما كانت عمليات الاستطلاع الصينية تنشط بكامل حريتها في المجال الجوي الأمريكي.
وبعد أسبوع واحد فقط من تلك الكارثة، ارتكبت القوات الأمريكية خطأً مماثلاً حين أسقطت طائرة إف-22 بصاروخ بلغت قيمته 439 ألف دولار منطاداً بحثياً لا تتجاوز تكلفته اثني عشر دولاراً، وكان تابعاً لفرقة منطادات شمال إلينوي، وذلك في حادثة وقعت في الحادي عشر من فبراير/ شباط فوق ألاسكا ونقلت تفاصيلها صحيفة الغارديان.
وفي مناسبة أخرى، روى كيركباتريك أن طياراً مقاتلاً أبلغ عن رصد جسم طائر مجهول يتمتع بقدرات شبيهة بالتخفي، وحصل على إذن بإطلاق صاروخ، ليكتشف لاحقاً أنه دمّر منطاداً على شكل نجمة مصنوعاً من مادة المايلر ويحمل عبارة "عيد ميلاد سعيد"، وكان قد اقتُني من متجر وول مارت.
ولا تقتصر هذه الأخطاء على حوادث الصواريخ وحدها، إذ تُظهر مقاطع فيديو عديدة - أنتجها الجيش ونشرت إدارة ترامب بعضها - أن العديد من الأجسام التي يُعتقد أنها طائرة مجهولة ما هي إلا أجسام عادية من صنع الإنسان أساء مشغّلو طائرات ريبر دون طيار تحديدها.
وفي هذا الصدد، أشار فيليبس إلى أن طبيعة المهمّات الطويلة والروتين الممل الذي يعيشه المشغّلون تسهم في هذه الهفوات، إذ يلهثون خلف أي هدف غريب خلال عودتهم إلى القاعدة للتزود بالوقود والذخيرة من دون تمييز دقيق.
وأضاف أن الجهود التوعوية التي يبذلها المكتب بدأت تؤتي ثمارها، من خلال إشراك العلماء في حوار مباشر مع أطقم التشغيل، سعياً إلى سد الفجوة المعرفية وتجنب تكرار مثل هذه الأخطاء التي تخلط بين المنطادات الاحتفالية والمشاريع البحثية من جهة، والتهديدات الجوية الحقيقية من جهة أخرى.