اقتصاد

العقوبات ومستقبل الاقتصاد الإيراني

الجمعة 2018.8.3 10:52 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 627قراءة
  • 0 تعليق
مجدي صبحي

يحتل قطاع الهيدركربونات (النفط والغاز) أهمية قصوى في الاقتصاد الإيراني، حيث يعد القطاع قاطرة النمو. حيث تحقق صادرات القطاع أكثر من 80% من حصيلة صادرات البلاد، ويسهم دخل القطاع بما يتراوح بين 40% و50% من إيرادات الموازنة العامة للدولة. وتحتوي أراضي إيران على رابع أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في العالم، كما أن مكانتها تتراوح بين الأولى والثانية في مجال الاحتياطيات من الغاز الطبيعي.

وبينما يتم التركيز على آثار الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي من زاوية تأثيره على حجم الصادرات الإيرانية وما سيترتب على ذلك من آثار على أسعار النفط العالمي، إلا أن الأهم بالنسبة لإيران هو حرمانها من تنمية ثروتها الهيدركربونية وخاصة من الغاز، وهو ما كانت تضع عليه آمالا كبيرة. وكانت أول التطورات في هذا المقام انسحاب شركة الطاقة الفرنسية العملاقة "توتال" من أضخم عقد توقعه إيران بعد رفع العقوبات عنها لتطوير بعض حقول الغاز وهو العقد البالغ قيمته نحو 5 مليارات دولار.

 الأهم بالنسبة لإيران هو حرمانها من تنمية ثروتها الهيدركربونية وخاصة من الغاز، وهو ما كانت تضع عليه آمالا كبيرة. وكانت أول التطورات في هذا المقام انسحاب شركة الطاقة الفرنسية العملاقة "توتال" من أضخم عقد توقعه إيران بعد رفع العقوبات عنها لتطوير بعض حقول الغاز وهو العقد البالغ قيمته نحو 5 مليارات دولار

بالوسع القول إنه إلى جانب العقوبات كانت الخلافات وشبكة المصالح الداخلية المتحكمة في طبيعة السياسات التي تم اتباعها في استغلال ثروة هذا القطاع هي المؤثر الأول على محدودية القدرة على استغلال هذه الثروة الهائلة. فالقطاع كما هو معروف يعد كثيف رأس المال، وكثيف التكنولوجيا أيضا، مما لا يتيح لإيران بمفردها إمكانية البحث والتنقيب ثم تنمية حقول النفط والغاز.

الاستثمارات الأجنبية والتعامل مع الخارج:

 كان الموقف المعارض للاستثمار الأجنبي موقفا موحدا بين جميع الفصائل التي شاركت في الثورة الإيرانية كردة فعل على ما رأته هذه الفصائل استغلالا تاريخيا جائرا للثروات الإيرانية خاصة من النفط، وهو ما انعكس في صياغة شروط مشددة للغاية في الدستور بشأن الاستثمار الأجنبي للحفاظ على الاستقلال الاقتصادي للبلاد. إذ كانت إيران مثقلة بتاريخها كأول دوله يكتشف فيها النفط في المنطقة وبتاريخ علاقاتها بشركات النفط الغربية التي حصلت على امتيازات التنقيب والاستخراج. ثم كانت إيران مثقلة أيضا بالأحداث التي جرت عند محاولتها الأولى لتأميم قطاعها النفطي في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. وظلت الحساسية الشديدة تجاه الاستثمار الأجنبي، خاصة في قطاع النفط، تكبل إيران عن استغلال ثرواتها الضخمة، حتى تحول الأمر عند البعض إلى نوع من الجمود العقائدي. ثم جاء التحول النوعي الأكبر متمثلا في استغلال هذه الحساسية وهذا الجمود العقائدي في مواجهة الاستثمارات الأجنبية من قبل بعض النخب والمؤسسات (كالحرس الثوري) من أجل تعزيز مصالحها الذاتية المكتسبة.

محاولة جذب الاستثمارات الأجنبية:

بعد انتهاء حرب إيران مع العراق عام 1988 كانت هناك رغبة في تخفيف شروط جذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق المزيد من الانفتاح على العالم الخارجي من قبل الجناح الإصلاحي، خاصة لتطوير قطاع النفط والغاز الذي يتسم كما ذكرنا سابقا بكونه كثيف التكنولوجيا كثيف رأس المال.

وتمثل التطور الأهم تجاه الاستثمار الأجنبي في تعديل المادة 44 من الدستور في يوليو 2006 وما أعقبه من إصدار المرشد الأعلى أمرا تنفيذيا بخصخصة 80% من الشركات المملوكة للدولة على مدى السنوات العشر المقبلة، إلا أن هذا الأمر بدوره استثنى من ذلك عمليات الاستكشاف والحفر والتنقيب وإنتاج النفط الخام، وبعض قطاعات البنية الأساسية المهمة، وبعض البنوك. لكن المهم في هذا الشأن أن العمليات التي تمت أسفرت عمليا عن نقل الملكية من الدولة إلى مؤسسات أخرى تدين بالولاء للمرشد الأعلى مثل مؤسسة المستضعفين والحرس الثوري. ويمكن القول عموما إن ما بدا في البداية كعقدة تاريخية تجاه الاستثمارات الأجنبية والخوف على الاستقلال الاقتصادي إلى حد شلل البلاد اقتصاديا، قد تحول بمرور الوقت إلى مسألة عملية تماما تتعلق بتدعيم المصالح المكتسبة، حيث اندفعت بعض الجهات إلى وضع المزيد من العراقيل أمام الاستثمار الأجنبي تحت دعاوى مختلفة لأنها لها مصلحة مادية مباشرة في ذلك، وليس لأي دوافع تاريخية أو أيديولوجية أو وطنية.

إلى جانب ذلك، كانت هناك الكثير من العقود التي تم إلغاؤها مع الشركات الأجنبية الكبرى في مجال النفط والغاز إما تحت ضغط العقوبات وإما بسبب من عدم مناسبة أجواء العمل وتذبذب الموقف الإيراني من الالتزام بهذه العقود. فقد ألغيت عقود أو انسحبت شركات يابانية وبريطانية وإسبانية وفرنسية وإيطالية، بل وماليزية وصينية وغيرها لهذه الأسباب.

سوء الإدارة الاقتصادية:

عملت الإدارة الاقتصادية على أساس من التوسع الكبير في الوزارات المركزية إلى جانب إقامة عدد كبير من المؤسسات شبه المستقلة عن الدولة، مثل مؤسسات المستضعفين، والشهداء، والإسكان، ومؤسسة الإمام الخميني للمساعدة الاجتماعية. وهذه المؤسسات يرأسها رجال دين أو أشخاص آخرون يتم اختيارهم ويدينون بالولاء للمرشد الأعلى، وحسب تقديرات اقتصاديين إيرانيين في عام 2009 شكلت هذه المؤسسات مجتمعة نحو 15% من الاقتصاد القومي، وتحكمت في ميزانيات يصل إجماليها إلى نحو نصف ميزانية الدولة. ومعظم أصول هذه المؤسسات هي عبارة عن أصول لأعمال تمت مصادرتها من نخبة النظام السابق. وتعد أكبر هذه المؤسسات "مؤسسة المستضعفين" التي تدير نحو 140 مصنعا و120 منجما و470 مجمعا زراعيا صناعيا، و100 شركة مقاولات وعدد لا يحصى من التعاونيات الزراعية، كما أنها تمتلك أكبر صحيفتين في البلاد وهما إطلاعات وكيهان.

إلى جانب هذا، حدث تدخل ملحوظ للحرس الثوري في النشاط الاقتصادي أخذ في الاتساع على مدى الزمن، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين، بحيث أضحى الحرس جماعة مصالح كبيرة ومتنفذة.

لذلك على الرغم من أن الاستثمارات الخاصة كانت لها –شكليا- السيطرة بعد نهاية الحرب العراقية-الإيرانية في عام 1988، فإن أغلب هذه الاستثمارات كانت فعليا تحت رعاية النظام. فمعظم الاستثمارات التي تم حسابها على أنها استثمارات خاصة كانت تقوم بها في واقع الأمر مؤسسات تابعة للدولة بشكل أو آخر، مثل مؤسسة المستضعفين.

وكان من الطبيعي مع الموقف من الاستثمار الأجنبي ألا يشكل هذا الاستثمار وزنا يعتد به في اقتصاد البلاد، إذ لم يزد هذا الاستثمار خلال العقد الأول من القرن الحالي على نحو 2.7% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. ومع تشديد العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي لم يتم أي استثمار يعتد به حتى تاريخ رفع العقوبات عن إيران في يناير 2016.

والأكثر أهمية أن قطاع الهيدركربون الأشد احتياجا للاستثمارات والتكنولوجيا الأجنبية ظل بعيدا تماما عن النجاح في جذبهما، كما أن مصالح بعض الجهات مثل الحرس الثوري ورجال الدين لا يمكنها، حتى وإن رغبت في ذلك، المساهمة بشكل ملموس في استغلال ثروة القطاع وتنميتها لافتقارها إلى الإمكانيات المطلوبة في هذا المجال.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات