الأرض تنشق فجأة.. تفسير علمي للحفرة الغامضة في دمشق (خاص)
لم يكن ظهور الحفرة المفاجئة في أحد أكثر المواقع الحيوية بدمشق مجرد حادث عابر، بل أعاد إلى الواجهة ظاهرة جيولوجية معقدة.
وظهرت الحفرة دون سابق إنذار، عند بداية أوتوستراد المزة الموصل لساحة الأمويين، بالقرب من مدخل فندق "سفن جيتس"، لتثير تكهنات المتابعين على السوشيال ميديا، بين من قال إنها نفق كان يستخدمه النظام السابق، ومن قال أنها قد تشير لوجود سجن تحت الأرض، غير أن الواقع أنها ظهرت لأسباب جيولوجية بحتة.

وبين تساقط الأمطار الغزيرة وطبيعة التربة الغنية بالتجاويف، تتقاطع مجموعة من العوامل العلمية التي تفسر كيف يمكن للأرض أن تنهار فجأة دون إنذار.
تأثير قديم يحدث بصمت
ويقول الباحث في علم الجيولوجيا وطبقات الأرض بجامعة جنوب الوادي د.صفوت الجندي، إن هذه الظاهرة ترتبط بما يُعرف علميا بـ"الانخساف الأرضي"، وهو انهيار يحدث نتيجة وجود فراغات تحت السطح، غالبا ما تتكون بفعل إذابة المياه للصخور القابلة للذوبان مثل الحجر الجيري.
وتشير الدراسات إلى أن هذه العملية قد تستمر لسنوات طويلة بصمت، قبل أن تصل إلى لحظة الانهيار المفاجئ عندما تفقد الطبقات السطحية قدرتها على التحمل.
لكن العامل الحاسم في كثير من الحالات، كما يوضح الجندي، لا يكون وجود التجاويف فقط، بل دور المياه، خاصة خلال فترات الأمطار الغزيرة.
وأثبتت دراسة منشورة في مجلة "ساينس أوف ذا توتال إنفايرمنت" أن الأمطار الشديدة تؤدي إلى تسرب كميات كبيرة من المياه إلى باطن الأرض، ما يغير توازن الضغط داخل التربة ويزيد من احتمالية حدوث الانخسافات بشكل مفاجئ، وفي البيئات الجبلية أو القريبة من الكتل الصخرية، كما هو الحال في محيط جبل قاسيون بدمشق، تتضاعف هذه التأثيرات نتيجة وجود شبكات طبيعية من الشقوق والكهوف.

دور المياه الجوفية
ولا يتوقف التأثير عند مجرد تسرب المياه، بل يمتد إلى تغير مستويات المياه الجوفية نفسها. إذ توضح دراسات حديثة أن أي ارتفاع أو انخفاض سريع في مستوى المياه الجوفية يمكن أن يؤدي إلى فقدان التربة لتماسكها، ما يسرع من عملية الانهيار الأرضي . وفي بعض الحالات، تعمل المياه المتدفقة على سحب جزيئات التربة تدريجيا نحو الأسفل، مخلفة فراغ يتسع بمرور الوقت حتى ينهار السطح فجأة.
وفي المدن، يزداد المشهد تعقيدًا بفعل تدخل الإنسان. فالبنية التحتية، مثل شبكات الصرف الصحي أو تسربات المياه من الأنابيب، قد تسرّع من هذه العمليات الطبيعية. وتشير أبحاث إلى أن العلاقة بين شدة الأمطار وظهور الحفر تزداد وضوحًا في المناطق الحضرية، حيث تؤدي المياه المتسربة عبر البنية التحتية إلى تآكل التربة من الداخل بشكل متسارع.
وبين الطبيعة والنشاط البشري، يتشكل سيناريو مركب يجعل من هذه الحوادث أكثر قابلية للتكرار، خاصة في المناطق التي تتميز بطبيعة جيولوجية هشة. فالتجاويف الأرضية ليست استثناءً نادرا، بل جزء من بنية طبيعية قد تبقى مستقرة لسنوات قبل أن تنهار تحت تأثير عامل محفّز، غالبًا ما يكون مرتبطًا بالمياه.
في ضوء ذلك، لا تبدو الحفرة الغامضة في دمشق لغزا بقدر ما هي نتيجة لتفاعل علمي معقد بين الأمطار والتكوينات الجيولوجية الخفية.