البنية التحتية الذكية واستدامة المباني.. علاقة وثيقة واستثمار مستحق
مع التقدم البشري ودخول الإنسان عصر الصناعة، تطورت البنية التحتية، رويدًا رويدًا، تفاقمت أزمة المناخ، وارتفع متوسط درجات الحرارة العالمية مقارنة بعصر ما قبل الصناعة، وظهرت الحاجة إلى اتباع النُهج المستدامة.
بالتدقيق قليلًا في الحضارات القديمة، نلاحظ اهتمام القدماء بالبنية التحتية، على سبيل المثال، في الحضارة المصرية القديمة التي قامت على ضفاف نهر النيل، لم يكن المصريون يبنون المعابد والمسلات فقط، بل كانت لديهم خطط هندسية استراتيجية لبناء قنوات الري وشبكات توزيع المياه واهتموا أيضًا بالتحكم في الفيضان>
وعندما استقر قطاع الزراعة لديهم، تمكنوا من بناء دولة قوية لديها جيش نظامي منذ آلاف السنين.
لدينا أيضًا في الحضارة الرومانية القديمة أمثلة كثيرة على نجاحها في بناء بنية تحتية قوية، لعل أشهرها بناء شبكات طُرق حجرية امتدت لآلاف الكيلومترات، ما سهل حركة التجارة؛ فهناك مثلٌ يقول "كل الطرق تؤدي إلى روما".
ومن هنا تبرز أهمية البنية التحتية في العصور القديمة لبناء حضارات عريقة، ما زال علم الآثار يُخبرنا عنها حتى اليوم.
وحاليا، يرتبط تطوير البنية التحتية واستخدامها التشغيلي بإطلاق ما يصل إلى 79% من إجمالي الانبعاثات الدفيئة العالمية؛ وفقًا لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) وجامعة أكسفورد عام 2021.
البنية التحتية الذكية
وفي ظل تسارع تغير المناخ، تظهر البنية التحتية الذكية كخيار أكثر قدرة على التخفيف من آثار تغير المناخ؛ فهي عبارة عن نظام أكثر تطورًا من المرافق والخدمات الأساسية، وتتميز باعتمادها على التكنولوجيا الرقمية ووسائل الاتصالات الذكية ومدعومة بالبيانات لتحسين كفاءة تشغيل المدن وخدماتها وإدارتها بصورة تلقائية وذكية؛ فبدلًا من أن تكون البنية التحتية مجرد شبكات من المياه والكهرباء والطرق والمواصلات، تُصبح مُزوّدة بشبكات الإنترنت وأنظمة المراقبة والتحليل والحساسات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأتمتة، ما يجعلها أكثر قدرة على جمع البيانات لحظيًا وتحليل المشاكل ومعالجتها فوريًا، ما يُقلل الأعطال والهدر ويُحسن جودة الخدمات.
وفي هذا الصدد، يُعلق عمرو عصام، خبير عمراني وباحث دكتوراه في جامعة هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية، في حواره مع "العين الإخبارية": "تلعب البنية التحتية الذكية دورًا مهمًا في استدامة المباني؛ والبنية التحتية هي عبارة عن شبكات تتضمن شبكة المواصلات وشبكة مياه الشرب والصرف الصحي والإنارة والكهرباء والاتصالات والمراقبة والتحكم، ومع وجود الشبكات المتخصصة أو الذكية، تستطيع المدن معالجة مشاكلها بصورة أفضل؛ خاصة في ظل تحديات التغير المناخي ومشاكل الطاقة وغيرهم".
كيف؟
من جانبه، يشرح هشام عيسى، المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، لـ"العين الإخبارية"، قائلًا إنّ البنية التحتية الذكية تُساهم بصورة مباشرة في تعزيز استدامة المباني "من خلال دمج التكنولوجيا الرقمية وأنظمة التحكم المتقدمة في إدارة الموارد بكفاءة عالية، بالإضافة إلى ذلك؛ تساعد البنية التحتية الذكية في ترشيد استهلاك الطاقة عبر التحكم التلقائي في الإضاءة والتكييف وأنظمة التهوية وفقًا لمستويات الإشعال والظروف البيئية، ما يُقلل من الهدر ويُخفض الانبعاثات الكربونية".
ويتابع قائلًا: "تدعم البنية التحتية الذكية دمج مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، وتُعزز من استخدامها عبر أنظمة التخزين وإدارة الأحمال وأيضًا تُعزز كفاءة استخدام المياه من خلال أنظمة ذكية لرصد الاستهلاك واكتشاف التسربات، هذا بالإضافة إلى إعادة استخدام المياه الرمادية، وهو ما يُحد من الفاقد ويُحسن الاستدامة المائية، كما تُساهم البنية التحتية الذكية في إطالة عمر المبنى وتقليل تكاليف الصيانة عبر الصيانة التنبؤية؛ إذ تُحلل الأنظمة الذكية أداء المعدات وتتنبأ بالأعطال قبل حدوثها، ما يُقلل من الأعطال المفاجئة ويُحسن كفاءة التشغيل".
استثمار مستحق
وفي ظل التحديات المناخية، تزداد الحاجة للتكيف مع ظاهرة التغيرات المناخية، من خلال تدخلات محددة للمدن تتطلب الاستثمار، ويقول عمرو عصام أنّ "الاستثمار في شبكات البنية التحتية مهم لتحسين أنظمة الاستشعار عن بُعد، التي تُساعدنا في التنبؤ بالمخاطر والكوارث، والاستثمار في البنية التحتية، هو استثمار مُستحق وله جدوى اقتصادية متوسطة وبعيدة المدى؛ خاصة في ظل التغيرات المناخية".
ويتابع عصام موضحًا ضرورة الاستثمار في دعم المدن الساحلية تحديدًا "فالمدن الساحلية مُعرضة لتأثيرات التغيرات المناخية بصورة كبيرة. لذلك، يجب الاستثمار في البنية التحتية الذكية التي تستجيب وتتنبأ وتتعامل مع التحديات المناخية، مثل التنبؤ بارتفاع مستوى سطح البحر، معدلات الأمطار، والرطوبة، تلك التنبؤات تساعد متخذي القرار في التعامل مع الأزمات الحالية أو المستقبلية؛ أي أنّ البنية التحتية الذكية يمكن اعتبارها أدوات تساعد صناع القرار في اتخاذ إجراءات سريعة والاستعداد للظواهر والتحديات داخل المدن قبل حدوث كوارث".
وأخيرًا، تسهم البنية التحتية الذكية في دعم استدامة المباني والمدن بصورة عامة، ما يعزز تحقيق التنمية المستدامة وبناء المدن القادرة على مواجهة التحديات المستقبلية؛ وفي الوقت نفسه، تحقيق توازن بين التقدم الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية، ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية الذكية المستدامة ضرورة لضمان مستقبل آمن ومزدهر للأجيال القادمة.