قطب صناعة الصلب «أندرو كارنيغي».. إرث معرفي لمجتمعات مستدامة
ألقى تقرير نشره موقع «سي إن بي سي» الضوء على عملاق صناعة الصلب في القرن التاسع عشر «أندرو كارنيغي».
ولد كارنيغي عام ١٨٣٥ لأسرة فقيرة في اسكتلندا، حيث عاش جميع أفراد العائلة في غرفة واحدة، هاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية بحثاً عن حياة أفضل. وعند عمر الـ12، عمل كـ"فتى البكرات" في مصنع للقطن. وأظهر كارنيغي مهارات ابتكارية وإبداعية استثنائية، وكان حريصاً على تحليل التكاليف والابتكار في الإنتاج.
وفي قطاع الصلب، بنى كارنيغي أكبر شركة في العالم "كارنيغي ستيل"، وكانت في تسعينيات القرن التاسع عشر تنتج أكثر من إجمالي إنتاج بريطانيا. واعتمدت مصانعه على أحدث الابتكارات التقنية مثل عملية "بيسمر" لتصنيع الصلب بسرعة وبتكلفة أقل، كما طبق مبدأ الاندماج الرأسي عبر السيطرة على كامل سلسلة التوريد من المواد الخام إلى المنتج النهائي. وحرص الرجل على توظيف أفضل الكفاءات، بمن فيهم الكيميائيون والمهندسون ذوو الخبرة لتطوير طرق إنتاجية أكثر فعالية.
لكن ما يميز كارنيغي عن أقرانه هو فلسفته تجاه الثروة. فقد أصبح أحد أغنى رجال العالم، ثم اختار أن يُخلّد إرثه ليس بالمال الذي جمعه، بل بالعطاء الذي قدّمه للمجتمع. وفي كتابه الشهير "إنجيل الثروة"، كتب كارنيغي إن "الرجل الذي يموت غنيًا يموت مخزيًا". فقد كان يعتقد إنه من حقائق المسؤولية الاجتماعية أن يقوم الأغنياء بتوزيع أموالهم لتحقيق المصلحة العام. ومن أبرز إنجازاته في هذا المجال، تمويله لأكثر من 2500 مكتبة عامة حول العالم، لتتيح الفرصة لأي شخص طموح للوصول إلى المعرفة والتعلم.
إرث وخير يتدفق
وحتى اليوم، تواصل Carnegie Corporation of New York، المؤسسة الخيرية التي تأسست عام 1911، إرث كارنيغي. وتحت قيادة "دام لويس ريتشاردسون" التي أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة المؤسسة في 2023، تركز المنظمة على التعليم، وتعزيز الديمقراطية، والسلام. كما تهدف المؤسسة لدعم البحوث الأكاديمية، والمبادرات التي تقلل الانقسام الاجتماعي والسياسي، فضلاً عن تمويل المشاريع الثقافية مثل المكتبات والحدائق والموسيقى، التي تسهم في بناء مجتمع متماسك على المدى الطويل.
وتؤكد دام لويس أن ميزة العمل الخيري هي القدرة على التفكير بعيد المدى مقارنة بالسياسة، إذ يمكن للمؤسسة الاستثمار في مشاريع قد يستغرق تأثيرها عقودًا قبل أن يُرى نتائجها. وهذه الرؤية الطويلة المدى هي ما يجعل إرث كارنيغي مستمرًا، إذ يُظهر أن الثروة ليست مجرد أداة للربح الشخصي، بل وسيلة لتعزيز المجتمع بأسره.
ووفقاً للتقرير، فإن أندرو كارنيغي يعد نموذجًا حيًا لكيفية تحويل النجاح المالي إلى إرث دائم. فمن ثروة هائلة إلى أكثر من ألفي مكتبة عامة، يعكس مسار حياته العلاقة بين الابتكار والمسؤولية الاجتماعية، ويستمر تأثيره في تعليم الأجيال وتعزيز الديمقراطية وفرص المجتمع الأمريكي حتى اليوم.