فضيحة «الفلين» في مباني فنزويلا تثير غضبا عارما عقب كارثة الزلزال
تحولت كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب فنزويلا إلى أزمة سياسية وإنسانية متفاقمة، بعدما كشفت مقاطع مصورة متداولة عن استخدام مادة "الفلين" داخل جدران عدد من المباني السكنية المنهارة، ما أثار موجة غضب واسعة وتساؤلات حادة حول جودة الإنشاءات.
وضرب زلزالان متتاليان بلغت قوتهما 7.2 و7.5 درجة البلاد الأربعاء الماضي، مخلفين دماراً واسعاً في ولاية "لا غوايرا" الساحلية القريبة من العاصمة كاراكاس، فيما ارتفعت الحصيلة الرسمية للضحايا إلى 1430 قتيلاً، مع استمرار عمليات البحث عن آلاف المفقودين وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

مقطع مصور يكشف ما بداخل الجدران
وأشعل مقطع فيديو نشره مسعف فنزويلي على منصة "تيك توك" غضب الرأي العام، بعدما أظهر أحد الأشخاص وهو ينتزع بسهولة أجزاءً من جدار أحد المباني المنهارة، ليكشف أن قلب الجدار مصنوع من مادة الفلين المغطاة بطبقة رقيقة من الأسمنت.
وخلال الفيديو، وصف الرجل ما شاهده بأنه "كارثة"، مؤكداً أن انهيار المباني بهذا الشكل لم يكن مفاجئاً في ظل استخدام مواد بناء رخيصة لا تتحمل الكوارث الطبيعية. وسرعان ما انتشر المقطع على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبره كثيرون دليلاً على الإهمال في تنفيذ مشروعات الإسكان، بينما طالب آخرون بإجراء تحقيقات شاملة ومحاسبة المسؤولين عن تلك المشروعات.

مشاريع الإسكان الحكومية تحت المجهر
وأعادت الكارثة تسليط الضوء على برنامج "مهمة الإسكان الكبرى" الذي أطلقه الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز عقب الكوارث الطبيعية التي شهدتها البلاد عام 1999، بهدف توفير مساكن لآلاف الأسر.
وبحسب خبراء في هندسة الزلازل، فإن المشروع شهد خلال سنوات تنفيذه تجاوزات عديدة في معايير البناء، حيث تم التركيز على سرعة الإنجاز أكثر من الالتزام بالمواصفات الفنية. وأوضح الخبير في مخاطر الزلازل أليخاندرو لينايو، الذي سبق أن عمل مع حكومة تشافيز، أن العديد من المجمعات السكنية أُنشئت دون الالتزام الكامل بكود البناء المقاوم للزلازل، وهو ما جعلها أكثر عرضة للانهيار عند وقوع الهزات الأرضية.
كما أشار إلى أن وتيرة تنفيذ المشروعات تسارعت بصورة أكبر بعد وصول نيكولاس مادورو إلى السلطة عام 2013، في ظل ضغوط سياسية لإنجاز أكبر عدد من الوحدات السكنية خلال فترات زمنية قصيرة.

انهيارات واسعة وخسائر بشرية ضخمة
وكانت ولاية "لا غوايرا" من أكثر المناطق تضرراً، حيث انهارت أحياء سكنية كاملة، من بينها مجمع يضم أربع بنايات سكنية انهارت ثلاث منها بالكامل، ما أدى إلى تدمير نحو 960 شقة سكنية ودفن أعداد كبيرة من السكان تحت الأنقاض.
ورغم عدم التأكد من الموقع الذي صُور فيه مقطع "الفلين"، فإن المشاهد المتداولة عززت الاتهامات بأن استخدام مواد بناء منخفضة الجودة كان سبباً رئيسياً في حجم الدمار الذي خلفه الزلزال، خاصة في المشروعات الحكومية التي كان يُفترض أن توفر مساكن آمنة للمواطنين.
في المقابل، وصفت السلطات الفنزويلية الزلزال بأنه الكارثة الأكثر تدميراً التي تشهدها البلاد منذ أكثر من قرن، مؤكدة أن حجم الخسائر تجاوز قدرات أجهزة الدولة على الاستجابة السريعة.

آلاف المصابين والمفقودين
وأعلنت الحكومة الفنزويلية إصابة أكثر من ثلاثة آلاف شخص، إلى جانب تشريد آلاف آخرين اضطروا للإقامة داخل مراكز إيواء مؤقتة، فيما لا تزال عمليات البحث مستمرة عن عشرات الآلاف من المفقودين.
وفي الوقت نفسه، أطلقت المعارضة موقعاً إلكترونياً لتلقي بلاغات الأسر عن المفقودين، حيث سجل الموقع نحو 50 ألف اسم خلال أيام قليلة، ما يعكس حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها البلاد.
كما قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن حصيلة الضحايا قد تتجاوز عشرة آلاف قتيل في حال استمرار العثور على جثث أسفل الأنقاض، وهو ما قد يجعل هذه الكارثة واحدة من أكثر الزلازل دموية في تاريخ أمريكا اللاتينية الحديث.

صعوبات كبيرة أمام فرق الإنقاذ
واجهت عمليات الإنقاذ تحديات كبيرة خلال الأيام الأولى، إذ اضطر الأهالي والمتطوعون إلى البحث عن ناجين بإمكانات محدودة قبل وصول فرق الإنقاذ الدولية.
وزادت الأزمة تعقيداً بعدما تعرض مطار "سيمون بوليفار" الدولي لأضرار كبيرة نتيجة الزلزال، الأمر الذي أعاق وصول المساعدات الإنسانية والفرق الأجنبية، بينما اشتكى المسعفون من نقص المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض.
كما استمرت الهزات الارتدادية في ضرب المناطق المنكوبة، ما أجبر فرق الإنقاذ على تعليق أعمالها في بعض المواقع حفاظاً على سلامة العاملين، في الوقت الذي كانت فرص العثور على ناجين تتراجع تدريجياً مع مرور الوقت.
سباق مع الزمن للعثور على ناجين
وأكد خبراء الإنقاذ أن الساعات الأولى بعد الزلزال تمثل الفرصة الأهم لإنقاذ المحاصرين تحت الأنقاض، حيث أوضح قائد فريق إنقاذ سويسري أن فرص العثور على ناجين تتراجع بشكل كبير بعد مرور 72 ساعة.
وفي مدينة "كاراباليدا"، عملت فرق إنقاذ أمريكية إلى جانب متطوعين محليين على تمشيط المباني المنهارة، بينما استخدموا علامات خاصة على الركام لتحديد المباني التي تم الانتهاء من تفتيشها، في محاولة لتنظيم عمليات البحث وسط الدمار الهائل.
ومع حلول مساء السبت، بدأت بعض الفرق بوضع إشارات تدل على عدم وجود ناجين في عدد من المواقع، في مؤشر على تقلص الآمال في العثور على مزيد من الأحياء.
وحشد المجتمع الدولي مساعدات عاجلة لدعم فنزويلا، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي تخصيص خمسة ملايين يورو للمساعدات الإنسانية، إضافة إلى استخدام نظام "كوبرنيكوس" الفضائي لرصد حجم الدمار وتوجيه عمليات الإغاثة، فيما يُتوقع إعلان الولايات المتحدة عن حزمة مساعدات إضافية بمئات الملايين من الدولارات خلال الأيام المقبلة.