بورتسودان وقضية العتاد العسكري بالإمارات.. أقنعة تسقط وفساد يتكشف (خاص)
بينما تحاول سلطة بورتسودان تسويق روايات سياسية تُحمّل الخارج مسؤولية أزمات هي في جوهرها نتاج بنية داخلية مثقلة بالفساد وتغلغل التنظيمات الإسلاموية وشبكاتها، تكشف الوقائع القضائية عن مسارات مختلفة للحقيقة، تعيد وضع المسؤولية في إطارها الداخلي.
فأذرع الفساد والتغلغل السياسي لشبكات الإسلامويين تتمدد داخل مؤسسات الدولة والجيش، وتتشابك مع مصالح عابرة للحدود أعادت توظيف الحرب كاقتصاد قائم بذاته.
ويوم الخميس، أحال المستشار الدكتور حمد سيف الشامسي، النائب العام لدولة الإمارات، 19 متهما بينهم ست شركات مسجلة في دولة الإمارات إلى محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية (دائرة أمن الدولة)، على خلفية ارتكاب جرائم الاتجار غير المشروع في العتاد العسكري والتزوير وغسل الأموال.
جاء قرار الإحالة عقب تحقيقات موسعة أجرتها النيابة العامة، حيث كشفت الوقائع عن محاولة المتهمين تمرير شحنة من الذخائر إلى سلطة بورتسودان عبر أراضي دولة الإمارات، في مخالفة صريحة للقوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة.
وفي هذا السياق، لا تبدو القضية مجرد ملف تهريب عابر، بل نافذة على منظومة أكثر تعقيداً من التواطؤات والواجهات التجارية والتحويلات المالية، التي حاولت استخدام بيئات قانونية مستقرة كممرات لصفقات عسكرية محظورة.
ومع انكشاف خيوط التحقيقات وتعدد المتورطين والواجهات والشركات، تتراجع السردية السياسية أمام ثقل الأدلة، لتبرز أسئلة أعمق حول من يمتلك قرار استمرار الحرب، ومن يحولها إلى مصدر نفوذ وربح، ومن يسعى لتطويعها في معركة روايات لا تقل ضراوة عن المعركة على الأرض.
سقوط الأقنعة
يقول المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الحركة الإسلامية لديها أذرع ممتدة وشبكات مالية لتمويل السلاح بشكل كبير.
وأوضح أن «هنالك شبكات ظل تعمل من الداخل بعد أن أصبح النظام محاصراً، وأصبح الاحتياج العسكري -بعد تمدد قوات الدعم السريع وإحكام سيطرتها- يدفعهم الآن لمحاولة تمويلها».
وأشار إلى أن تلك الشبكات استغلال ثقة الدول التي يعملون من خلالها؛ بينها دولة الإمارات، وتهريب الأسلحة عبر أراضيها، لهز ثقة السودانيين فيها.
زيف الاتهامات
إلا أن الجهات الإماراتية كانت لها بالمرصاد، مما أجهض محاولاتها، وكشف مخططاتها وأسقط أقنعتها، يقول يوسف، مشيرًا إلى أن تلك الحادثة وغيرها، تؤكد أن اتهامات بورتسودان التي تطلقها تجاه دولة الإمارات هي مبنية على مواقف سياسية بحتة، بل محاولة للتستر على جرائمها وتهريبها للأسلحة، في «تخدير للشعب السوداني».
وأشار إلى أن تلك الواقعة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، زيف مساعي بورتسودان التي تحاول أن تجعل الحرب بمثابة «مؤامرة خارجية» أو «مؤامرة أجنبية» لكسب الجبهة الداخلية، وهذا ما تكشف عنه الوقائع.
المسؤول الأول عن جرائم الجرب
بدوره، قال المحلل السياسي الإماراتي محمد خلفان الصوافي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن قضية العتاد العسكري تأكيد على ما وضحته دولة الإمارات من أن المسؤول الأول في الجرائم الإنسانية في السودان هو الجيش الذي يمسك بالسلطة فيها؛ لأنه المسؤول الأول عن حماية شعبه وليس القتل.
وأوضح أن من يستورد السلاح بطريقة «مافيات» تجارة الأسلحة عبر الحدود ويستخدم أراضي دولة الإمارات فهو يؤكد على نفسه التهمة بالأدلة التي لا تحتاج إلى أي توضيح آخر بأنه هو من يقف وراء المأساة الإنسانية (الجيش)، مما يتطلب من المجتمع الدولي القيام بواجبه في حماية الشعب السوداني من حكومته.
وأشار إلى أن ادعاءات الجيش السوداني ضد دولة الإمارات تهدف إلى خدمة أطراف آخرين لهم أجندتهم ضد دولة الإمارات مثل تنظيم الإخوان المسلمين.
وأكد الصوافي، أن رفض الجيش السوداني الذي يتحكم فيه أفراد من تنظيم الإخوان المسلمين، فتح تحقيق دولي في جرائم مدينة الفاشر يؤكد ثبات التهمة ضد الجيش.
استغلال الثقة
وبحسب المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، فإن سلطات بورتسودان تحاول استغلال ثقة دولة الإمارات في السودانيين وفي الشركات السودانية العاملة، لتمرير صفقات السلاح، «كما شاهدنا الإيرانية شميم التي تم إلقاء القبض عليها قبل أيام، وأنها كانت تدير صفقات مع نظام الإسلاميين لتمرير صفقات شراء مسيرات وأسلحة وأنظمة صاروخية».

وحول الصفقة الثانية، فإنها نُفذت داخل دولة الإمارات، باستخدام ما يزيد على مليوني دولار من متحصلات الصفقة الأولى، وذلك لتنفيذ توريد عاجل لصفقة ذخائر إضافية (غرينوڤ)، حيث تم إدخال الجزء الأول من الشحنة إلى أراضي دولة الإمارات، بطرق احتيالية عبر طائرة خاصة، تمهيداً لنقلها إلى بورتسودان.
بدوره، قال المحلل السياسي السوداني النجمي عثمان، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن تفكيك تلك الشبكة، دليل قاطع يكشف عن الداعمين الحقيقيين لاستمرار الحرب، عبر بيع الذخائر وتهريبها، والدفع بمزيد من النار والبارود لقتال الشعب السوداني.
وأوضح، أن هذه العملية هي أكبر دليل بين لإدانة حكومة بورتسودان، وأنها من تجلب السلاح من الخارج، عبر أذرعها الاقتصادية والإخوانية، مما يثبت بما لا يدع مجال للشك أن حكومة بورتسودان هي التي تمارس هذه العمليات الإرهابية وتهريب السلاح والذخائر.
اقتصاد السلاح والفساد المتغلغل
بحسب المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، فإن هنالك فساداً حتى في عمليات صفقات الأسلحة بإيراد مبالغ كبيرة وهي في الأساس أسلحة بأسعار أقل، مشيرًا إلى أن هنالك أسلحة فاسدة يتم استيرادها للجيش؛ مما يؤكد أن «هذه الشبكات لا أخلاق لها، وتحاول إنعاش خزائنها على حساب السودانيين».
بدوره، قال المحلل السياسي السوداني كمال كرار في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الفساد متغلغل داخل سلطات بورتسودان وفي كافة مفاصل الدولة، مشيرة إلى أن الحرب مستمرة لضمان غطاء سياسي وعسكري لبورتسودان، في ظل عدم اعتراف شعبي بانقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، ولاستمرار الحكم عبر فوهة البندقية.
وأوضح عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي والمحلل السياسي السوداني كمال كرار، أن الجيش يتمترس خلف الحرب، كونها تتضمن أجندات اقتصادية ونهبا وفسادا واستمرار حالة اللادولة.
وفي الصفقة الأولى، التي أُبرمت خارج دولة الإمارات، جرى الاتفاق على توريد عتاد عسكري شمل بنادق كلاشنيكوف ومدافع رشاشة وقنابل، بقيمة مُعلنة بلغت 13 مليون دولار، في حين لم تتجاوز قيمتها الفعلية 10 ملايين دولار، حيث تم تخصيص الفارق كعمولات غير مشروعة تم الاتفاق على توزيعها بين المتهمين نظير أدوارهم في ترتيب الصفقة وتسهيل إجراءاتها.
آلية الحساب
يقول يوسف، إنه يمكن محاسبة العناصر المتورطة حسب القوانين المحلية الوطنية لدولة الإمارات، وكذلك بالقانون الدولي الإنساني، باعتبار أنها «واحدة من الجرائم التي تنتهك سيادة دولة الإمارات وتقحمها في قضية تتعلق بتغذية الحرب في السودان».
وبحسب المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، فإن تلك الواقعة، تُعد جريمة كاملة الأركان، ومن حق دولة الإمارات اتخاذ ما تراه مناسباً من إجراءات رادعة، وتكثيف التدقيق على كل الأنشطة الاقتصادية التي يُشتبه أن تكون لأذرع الإخوان المسلمين يدٌ داخلها.
تفاصيل التحقيقات
وأظهرت التحقيقات أن الوقائع محل الدعوى ارتبطت بصفقات تمت بطلب من لجنة التسليح في سلطة بورتسودان برئاسة عبدالفتاح البرهان ونائبه ياسر العطا، وبتنسيق من عثمان محمد الزبير محمد، كما شمل نطاق الاتهام شخصيات نُسبت إليها أدوار في التوجيه والتنسيق، من بينهم صلاح عبدالله محمد صالح (الملقب بصلاح قوش).
ويواجه المتهمون تهم الاتجار غير المشروع في العتاد العسكري، وتزوير محررات رسمية واستعمالها، وغسل الأموال المتحصلة من تلك الجرائم، بما يشكل مخالفة جسيمة لقوانين الدولة وأنظمتها.
وكشفت التحقيقات عن تنفيذ المتهمين مخططهم عبر صفقتين مترابطتين، اتسمتا بالتخطيط المسبق واستخدام واجهات كيانات تجارية ومالية لإخفاء الطابع غير المشروع للعمليات.
وتمكنت الأجهزة المختصة من كشف خيوط العملية وتعقب مسار الأموال والشحنات، لتسقط المخطط قبل اكتماله، حيث ألقي القبض على المتهمين وأُحبطت محاولة تمرير العتاد إلى وجهته النهائية .
وكشفت التحقيقات عن أن المخطط لم يقتصر على الشحنة التي تم ضبطها، بل كان يمتد إلى تهريب خمسة ملايين طلقة غرينوف إضافية عبر ست صفقات أخرى أعدّ لها المتهمون، وأوضحت التحقيقات أن إحباط الشحنة الأولى حال دون تنفيذ تلك العمليات.
كما أسفرت التحقيقات عن أدلة دامغة، شملت ضبط وتحليل مستندات ووثائق مالية ومراسلات رسمية، إلى جانب تتبع التحويلات المصرفية والتدفقات النقدية المرتبطة بالصفقات، كما تضمنت الأدلة اعترافات عدد من المتهمين، فضلاً عن تسجيلات ومحادثات موثقة بين عدد منهم، كشفت بوضوح ترابط الأدوار وتكاملها في تنفيذ الوقائع محل الدعوى.