«كيماوي» الجيش يدفع واشنطن لموقف أكثر صرامة من الحرب في السودان (خاص)
اعتبر مراقبون وخبراء سودانيون أن الأدلة الأمريكية حول استخدام الجيش السوداني أسلحة كيماوية دفعت واشنطن لنهج أكثر صرامة من الحرب في البلاد.
وتدخل حزمة جديدة من العقوبات الأمريكية على السودان حيز التنفيذ اعتباراً من الإثنين 20 يوليو/تموز الجاري، بعد أن خلصت واشنطن إلى عدم استيفاء سلطة بورتسودان للشروط المنصوص عليها بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وذلك على خلفية اتهاماتها باستخدام أسلحة كيميائية.
ورأى المحلل السياسي والكاتب الصحفي رئيس تحرير صحيفة "إدراك" في السودان، إيهاب مادبو، أن العقوبات الأمريكية الإضافية، هي مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والدبلوماسي تجاه سلطة بورتسودان.
وقال لـ"العين الإخبارية": "يبدو أن واشنطن لم تعد تكتفي بالعقوبات المرتبطة بالحرب أو الانتهاكات لحقوق الإنسان وحسب، لكنها انتقلت إلى توظيف قانون مكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية".
وأشار إلى أن هذا التوظيف القانوني يعتبر من أكثر الأطر القانونية صرامة بعد الإعلان الأمريكي بأن السودان لم يوفِ بالشروط المطلوبة بعد الاتهامات لسلطة بورتسودان باستخدام أسلحة كيماوية.
وبحسب مادبو فإن هذه العقوبات، من ناحية سياسية، تعكس خطوة واشنطن التي تنظر إلى ملف الأسلحة الكيماوية باعتباره قضية تتجاوز الصراع الداخلي في السودان، وتمس منظومة الأمن الدولي والالتزامات الدولية المنبثقة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وتشمل العقوبات الأمريكية ضد السودان، والمقرر دخولها حيز التنفيذ الإثنين القادم، وتعتبر سارية لمدة عام على الأقل:
معارضة واشنطن لأي قروض أو مساعدات مالية/تقنية للسودان عبر المصارف الإنمائية الدولية (مع استثناء المساعدات الإنسانية الأساسية).
حظر تصدير جميع السلع والتقنيات للسودان باستثناء الأغذية، مع مراجعة صارمة للسلع الحساسة أمنياً بمبدأ "افتراض الرفض".
تعليق تصاريح شركات الطيران السودانية الحكومية للتحليق من وإلى الولايات المتحدة.
وأوضح مادبو أن هذه العقوبات تحمل رسالة من واشنطن بأن أي اتهامات من هذا النوع لن تتعامل معها واشنطن كجزء من السجال السياسي، بل كملف دولي قد يقود إلى مزيد من العزلة والضغوط الاقتصادية والسياسية عبر آليات تحقيق وتعاون دولي، على حد قوله.
وأضاف أن ربط هذه العقوبات باتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، يمنح واشنطن مبرراً قانونياً لتوسيع دائرة الضغوط السياسية مستقبلاً، سواء عبر تشديد القيود الاقتصادية، أو الحد من التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وحظر الطيران، والدفع نحو خطوات إضافية داخل المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن والأمم المتحدة، في حال استمرت الأزمة السودانية دون معالجة، مبيناً أن العقوبات في جوهرها تعكس طبيعة التوجه الغربي الأمريكي والأوروبي نحو رفع كلفة استمرار النزاع بين الطرفين، والتمهيد لهدنة طويلة الأمد في السودان.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت الأسبوع المنصرم، أمام الدورة الـ112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، المنعقدة في لاهاي، ضمن البند الخاص بـ«التصدي للتهديد الناجم عن استخدام الأسلحة الكيماوية في السودان»، بأن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيماوية خلال الحرب، داعية حكومة بورتسودان إلى تقديم إعلان شامل عن برامجها الكيماوية والسماح بعمليات تفتيش دولية دون قيود.
تضييق هامش المناورة
من جهته، يرى المحلل السياسي والباحث الأكاديمي في السودان، حاتم طه، أن العقوبات الأمريكية الإضافية لا يمكن النظر إليها باعتبارها قراراً منفرداً، وإنما هي حلقة جديدة في مسار متصاعد من الضغوط الدولية والإقليمية لإيقاف الحرب في السودان.
وأوضح طه في حديث لـ"العين الإخبارية" أنه منذ مارس/آذار الماضي، جاءت الإجراءات الأمريكية المرتبطة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية أجنبية، كمؤشر على تشدد السياسة الأمريكية تجاه الشبكات المرتبطة بإدامة الصراع.
وأضاف: "ثم جاء يونيو/حزيران ليشهد تصعيداً لافتاً؛ إذ أعلنت الولايات المتحدة عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات من طرفي الحرب، وأعقبتها بحزمة ثانية من العقوبات بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، مع الإشارة إلى إمكانية اتخاذ إجراءات إضافية إذا لم تُستوفَ الشروط المطلوبة". وتابع: "في الشهر نفسه ناقش الكونغرس الأمريكي مشروع قانون سلام السودان، الذي عكس بوضوح إمكانية التلويح داخل المؤسسات الأمريكية حول مستقبل الشرعية لحكومة بورتسودان والتي من الممكن نزعها في أي لحظة".
وأشار طه إلى أنه في يوليو/تموز الجاري، اتسعت دائرة الضغوط لتشمل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، عبر إجراءات استهدفت شبكات تمويل الحرب، وعلى رأسها تجارة الذهب. وبحسب طه فإن ملف استخدام الأسلحة الكيميائية انتقل إلى مرحلة أكثر جدية داخل المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما يعكس تزايد الاهتمام الدولي بالمساءلة القانونية والمؤسسية.
وقال: "عند قراءة هذه التطورات مجتمعة، يتضح أنها ليست قرارات متفرقة، بل حلقات متتابعة في مسار واحد يهدف إلى رفع الكلفة السياسية والاقتصادية والقانونية لاستمرار الحرب، وتضييق هامش المناورة أمام الأطراف التي تدعم الحرب وتعرقل جهود السلام".