عضو «صمود» لـ«العين الإخبارية»: «كيماوي» السودان يقود لمحاكمة البرهان ويعجّل وقف الحرب
ضغوط أمريكية متصاعدة على الجيش السوداني، باتت تشكل منحى جديدًا، يبشر بنتائج قد تفضي إلى إنهاء معاناة ملايين السودانيين جراء الحرب.
وتحول ملف الأسلحة الكيماوية في السودان من مجرد اتهام أمريكي يستدعي عقوبات جديدة، إلى قناعة دولية بخطورة الوضع قد تعيد رسم مسار الحرب، وتلقي بظلالها على مستقبل سلطة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان سياسيًا وقانونيًا، وفق عضو تحالف «صمود السودان» ماهر أبو الجوخ.
- «الكيماوي» يطارد جنرال الحرب.. كيف ضاقت خيارات البرهان؟ (خاص)
- «استخدم الكيماوي».. أمريكا تدين الجيش السوداني رسميا وتطلب تفتيشا دوليا
ويرى أبو الجوخ في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن «انتقال ملف الأسلحة الكيماوية السوداني إلى المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية يمثل تحولًا نوعيًا في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الحرب في السودان».
واعتبر أن «واشنطن انتقلت من مرحلة العقوبات إلى مرحلة ممارسة ضغوط سياسية وقانونية ودبلوماسية أوسع، قد تمتد إلى تدويل الأزمة والتأثير في مستقبل السلطة القائمة في بورتسودان».
وكانت الولايات المتحدة أكدت، أمام الدورة الـ112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي، أنها توصلت، بعد «تحليل فني صارم ومستقل»، إلى أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيماوية خلال عام 2024.
وأشارت إلى أن «السودان لا يزال في حالة عدم امتثال للاتفاقية خلال عام 2025، ودعت حكومة بورتسودان إلى تقديم إعلان شامل عن برامجها الكيماوية، والسماح بعمليات تحقق دولية دون قيود».
قناعة أمريكية
وقال أبو الجوخ إن الولايات المتحدة تبدو متأكدة من استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيماوية، موضحًا أن مؤشرات ذلك ظهرت قبل إعلان العقوبات الأخيرة.
وأشار إلى أن معلومات إعلامية وصحفية تحدثت سابقًا عن إرسال واشنطن فرقًا للتحقيق، كما أن مندوب سلطة قائد الجيش تحدث خلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة بشأن السودان عن أن الأمريكيين أرسلوا فرقًا وأخذوا عينات، لكنه قال إنهم لم يبلغوا سلطات بورتسودان بنتائج تلك العينات.
ويرى أبو الجوخ أن «إعلان الولايات المتحدة لاحقًا نتائج تقييمها وفرضها عقوبات بسبب استخدام الأسلحة الكيماوية يؤكد أنها أصبحت تمتلك قناعة كاملة بما توصلت إليه».
أهمية الإحالة لـ«حظر الأسلحة الكيماوية»
وأكد المحلل السوداني أن طرح الملف أمام المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية يحمل أكثر من هدف بينها المعلن ويتمثل في تضييق الخناق على سلطة قائد الجيش، باعتبار أن هذا الملف أصبح أحد أوراق الضغط المستخدمة للحد من ما وصفه بالمماطلة والالتفاف المستمر حول جهود وقف الحرب.
وأضاف أن هناك هدفًا آخر يتمثل، في تقديره، في إبعاد سلطة قائد الجيش عن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، لأن استمرار وجودها داخل المنظمة يصبح موضع تساؤل إذا كانت متهمة باستخدام هذه الأسلحة.
ويتوافق ذلك مع ما ورد في البيان الأمريكي، الذي شدد على أنه لا ينبغي لدولة استخدمت أسلحة كيماوية وأخفقت في العودة إلى الامتثال أن تشارك في توجيه قرارات المجلس التنفيذي للمنظمة، مؤكدًا أن الامتثال الكامل للاتفاقية شرط أساسي للحفاظ على مصداقية المنظمة.
أما الهدف غير المعلن، بحسب أبو الجوخ، فهو استمرار الضغط على قائد الجيش لإجباره على القبول بوقف الحرب، لأنه لا يزال يناور في هذا الملف.
أهمية التحقيق الدولي
ويرى أبو الجوخ أن مطالبة الولايات المتحدة بالسماح بعمليات تحقق دولية لا تستهدف فقط جمع الأدلة، وإنما إنهاء الجدل حول الاتهامات.
وقال إن التحقيق الدولي سيحوّل القضية من مجرد اتهامات متبادلة أو سجال إعلامي إلى قضية تستند إلى أدلة معترف بها دوليًا.
وأضاف أنه، وفق المعلومات المتاحة لديه، تمتلك الولايات المتحدة هذه المرة أدلة حقيقية وواضحة، ولذلك تريد أن يصبح التحقيق الدولي وسيلة لتحويل تلك الأدلة إلى مرجعية يعتمدها المجتمعان الإقليمي والدولي، وليس الأمريكيون وحدهم.
وأشار إلى أن جهات حقوقية سبق أن وثقت، بحسب قوله، استخدام أسلحة كيماوية، كما تناول تحقيق أجرته قناة «فرانس 24» هذا الملف، لافتًا أيضًا إلى ما قال إنه إثبات لاستيراد شركة الموانئ التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية شحنات من الكلور استُخدمت في تصنيع أسلحة كيماوية.
وأضاف أن ما نُشر في وسائل الإعلام، يوحي بوجود معلومات وبيانات أكبر لم يُكشف عنها حتى الآن.
ويتسق ذلك مع مطالبة واشنطن السودان بالسماح للأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية بالوصول «غير المعرقل والشفاف» إلى المواقع لإجراء عمليات تحقق كاملة، مؤكدة أن اللجنة الفنية الوطنية التي شكلتها حكومة بورتسودان لا يمكن أن تكون بديلًا عن آليات التحقق المستقلة المنصوص عليها في الاتفاقية.
ويرى أبو الجوخ أن إحالة الملف إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية تنقل القضية من إطارها الإعلامي والثنائي إلى إطار دولي.
وقال إن ذلك قد يفتح الباب أمام استخدام الملف داخل مجلس الأمن الدولي أو مجلس السلم والأمن الأفريقي، وربما الاستناد إليه في طرح فرض حماية إنسانية أو تدخل دولي إذا ثبت استخدام الأسلحة الكيماوية.
وأضاف أن إثبات هذه الاتهامات سيعني أن السلطة القائمة سلطة غير مسؤولة، وغير ملتزمة بالقانون الدولي، وارتكبت انتهاكات جسيمة بحق شعبها.
إنهاء سلطة بورتسودان
ويقول أبو الجوخ إن السودان لا يملك اليوم حكومة بالمعنى التقليدي، وإنما توجد سلطة بورتسودان التي يقودها قائد الجيش، وسلطة أخرى يقودها قائد قوات الدعم السريع، وبالتالي فإن الاتهامات والعقوبات ستنعكس بصورة مباشرة على سلطة قائد الجيش.
واعتبر أن إثبات استخدام الأسلحة الكيماوية ستكون له انعكاسات كبيرة، لأنه لن يقتصر على العقوبات، بل سيفقدها، بحسب رأيه، السند الأخلاقي والقانوني والإنساني قبل السياسي.
وأضاف أن ذلك ستكون له تداعيات كبيرة على محاولاتها تقديم نفسها باعتبارها السلطة الشرعية، وسيؤثر في علاقاتها الخارجية ومستقبلها السياسي.
ورقة ضغط لوقف الحرب
ولفت أبو الجوخ إلى أن ملف الأسلحة الكيماوية أصبح أحد أبرز أوراق الضغط المستخدمة لإرغام قائد الجيش على القبول بوقف إطلاق النار.
وقال إن هذا الملف يمس مستقبله السياسي بصورة مباشرة، ولذلك يجري استخدامه سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا، ولم يعد مجرد موقف تتبناه الإدارة الأمريكية، بل يجري العمل على تحويله إلى موقف إقليمي ودولي أوسع يقوم على إدانة استخدام الأسلحة الكيماوية وتقديم الأدلة المتعلقة بها.
وقف الحرب أم فرض السلام؟
ويرى أبو الجوخ أن الضغوط الحالية قد تقود إلى أحد احتمالين. الأول أن تدفع قائد الجيش إلى القبول بوقف إطلاق النار.
أما الثاني، فإذا استمرت الممانعة والرفض، فقد يُستخدم الملف لفرض السلام على الأطراف المتحاربة، بحيث تصبح التسوية مفروضة على الرافضين، وعلى رأسهم، بحسب رأيه، قائد الجيش وقيادات تنظيم الإخوان والمجموعات التي وصفها بالإرهابية.
وأشار أبو الجوخ إلى ما يتردد بشأن لقاء جمع عضو مجلس السيادة شمس الدين الكباشي بمستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، معتبرًا أن ذلك يعيد إلى الأذهان، بحسب رأيه، ما حدث في اتفاق المنامة، عندما أرسل قائد الجيش نائبه للتفاوض ثم تنصل لاحقًا من التفاهمات التي أُبرمت.
وأضاف أن الفارق بين المرحلتين هو أن ملف الأسلحة الكيماوية لم يكن مطروحًا آنذاك، بينما أصبح اليوم عامل ضغط مباشرًا على قيادة الجيش، وهو ما يعتقد أنه ستكون له تداعيات مباشرة.
أخطر التداعيات
ورغم ما قد يترتب على الملف من آثار قانونية، يرى أبو الجوخ أن خطورته الأساسية سياسية.
واستشهد بمحاكمات مسؤولين عراقيين بعد عام 2003 بتهم تتعلق باستخدام أسلحة كيماوية، معتبرًا أن مثل هذه القضايا لا تسقط بالتقادم.
وأضاف أن الملف قد يُحال مستقبلًا إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو المحكمة الأفريقية، أو أي جهة قضائية دولية غير وطنية، لكنه شدد على أن أخطر ما فيه يتمثل في أنه قد يشكل، بحسب تقديره، العقبة الرئيسية أمام أي طموحات سياسية مستقبلية لقائد الجيش والمجموعات المرتبطة به من جماعة الإخوان وغيرها بعد انتهاء الحرب.
وختم بالقول إن هذا الملف لا يمثل فقط مخالفة واضحة للقانون الدولي، بل يكتسب حساسية إضافية لأن الجهة المتهمة، بحسب الاتهامات الأمريكية، عضو في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وهو ما قد تكون له تداعيات على تمثيلها داخل المنظمة، ومستقبلها السياسي، وربما مستقبلها التاريخي أيضًا.