تفكيك اقتصاد الحرب.. طريق السلام المفقود بالسودان
مع تعثر مسارات الحرب في السودان ووضع سلطات الجيش رهانات على الحسم العسكري خيارًا أوحد لإنهاء النزاع، تصاعدت الدعوات لتفكيك اقتصادها بوصفه المدخل الحقيقي إلى سلام طال انتظاره.
وبينما يواجه السودانيون واقعاً مأساوياً تتضاءل فيه فرص الحياة الكريمة يوماً بعد الآخر، تتحرك عناصر التنظيم الإخواني التي تسيطر على سلطة القرار في الجيش في الاتجاه المضاد لوقف الحرب، واضعة العراقيل أمام أي مساعٍ دولية لإيقافها.
ودفع كثير من السياسيين والمراقبين في السودان لمطالبة المجتمع الدولي بممارسة أقصى الضغوط على الأطراف الساعية لإطالة أمد النزاع، وتفكيك البنية الاقتصادية التي يمولون عبرها الحرب، فضلا عن نزع أي غطاء زائف يتدثرون به لإيجاد «شرعية» لهذه الحرب واستمرارها.
هدنة عاجلة وفاعلة
وإلى ذلك، قال رئيس دائرة إعلام حزب الأمة القومي في السودان، المصباح أحمد محمد، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن إنهاء الحرب في السودان لن يتحقق بالحلول العسكرية أو بإطالة أمد الصراع، وإنما يتطلب معالجة الأسباب التي تؤدي إلى استمرارها، في مقدمتها وقف تدفق السلاح وتجفيف مصادر تمويل الحرب، ومحاسبة كل الجهات والأطراف التي تسهم في تأجيجها أو إدامتها، بما في ذلك عناصر النظام البائد وكل الداعمين لاستمرار القتال.
فـ«لقد تجاوزت الحرب كل المبررات والذرائع التي يتم التذرع بها لاستمرارها، وأصبحت كلفتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية فوق طاقة البلاد»، يقول المصباح أحمد، مشيرًا إلى أن «تداعياتها باتت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار الإقليمي، الأمر الذي يفرض تحركًا أكثر فاعلية من المجتمعين الإقليمي والدولي».
وأضاف: «أصبحت الحاجة ملحة لإقرار هدنة إنسانية عاجلة وفاعلة، تتيح إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، وحماية المدنيين، وتخفيف المعاناة المتفاقمة التي يعيشها ملايين السودانيين، بما يمهد الطريق لوقف شامل لإطلاق النار».
«الفردوس المفقود»
في السياق نفسه، قال المفكر والباحث الأكاديمي في السودان، حاتم طه في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن «الحرب في السودان تحوّلت بطول مداها، إلى بنيةٍ معقّدةٍ متشابكة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والسلاح بالمال، والدولة بشبكاتٍ غير رسميةٍ تعيد إنتاج القتال وتؤجّج اشتعاله».

وأوضح: «ثمة قوى لا ترى في السلام غايةً تُبتغى، ما دامت تراهن على الحسم العسكري سبيلاً لاسترداد فردوسٍ مفقودٍ».
«في المقابل، صارت الحرب نفسها نظامَ مصالحٍ قائمًا بذاته، ترتزق منه شبكاتٌ داخل الدولة وخارجها، بين مستفيدٍ من استمرارها وخاسرٍ بزوالها، بين من يحيا على وقودها ومن يموت تحت لهيبها»، يضيف الأكاديمي السوداني.
مسار تفكيك بنية الحرب
ووصف الأكاديمي السوداني، المسار الدولي الهادف لكبح جماح المؤيدين لاستمرار الحرب، بـ«سياسة شد اللجام»، قائلا: «في مواجهة التعقيد في المشهد السوداني الحالي، برز الموقف الأمريكي في صورة مسارٍ متدرّجٍ من الضغط».
وأوضح أن هذه السياسة الأمريكية ترتكز على رفع الكلفة شيئًا فشيئًا، وتضييق الخناق على البنى التي تجعل استمرار الحرب ممكنًا، حتى يُفضي الأمر إلى وقفها بأقل خسائر ممكنة.
إلا أن الباحث الأكاديمي السوداني، عاد مؤكداً أن معادلة إنهاء الحرب في السودان، لا تكتمل بضغطٍ خارجيٍ وحده، مهما اشتد واتسع.
فـ«إنهاء الحرب لا يقوم على (اللجام) الخارجي وحدَه، بل يحتاج إلى، سندٍ داخليٍ موازٍ»، عبر:
- توسيع قاعدة القوى المدنية الرافضة للحرب
- سحب البساط تدريجيًا من القوى التي تستمد شرعيتها من القتال
- إعادة تعريف مركز الثقل السياسي والاجتماعي على أساس رفض الحرب لا إدارتها.
وشدد على أن المسار الدولي لا بد أن يقابله ضغطٌ مدنيٌ داخليٌ موازٍ، كون تفكيك اقتصاد الحرب من الخارج يحتاج إلى تفكيك شرعية الحرب من الداخل، مع توسيع القاعدة المدنية الرافضة لاستمرار النزاع.