استهداف المدنيين بدارفور.. ضغوط تتصاعد على سلطات بورتسودان وعزلة تتعمق (خاص)
مع تصاعد النزاع في السودان، اتسعت جغرافيا الاستهداف الجوي للجيش السوداني، لتتجاوز ساحات القتال إلى قلب الأعيان المدنية، مستهدفةً البنية التحتية والمرافق الحيوية، من الأسواق مرورًا بالمستشفيات إلى المساجد وحفلات الزفاف.
استهداف ممنهج للأعيان المدنية يعكس -بحسب «ذا ريكونينغ بروجيكت» وهو مشروع حقوقي متخصص بتوثيق جرائم الحرب، نمطاً متكرراً يعتمد على «الضربات المزدوجة» لترويع السكان، اعتبرها «تحالف السودان التأسيسي» امتداداً لاستراتيجية أيديولوجية وعرقية أعمق تتبناها كتائب الحركة الإسلامية المسيطرة على قرار الجيش لإطالة أمد الحرب وعرقلة مسارات السلام والتحول المدني.
ووثق التقرير الأمريكي استهداف الجيش السوداني لأعيان مدنية في دارفور، شملت مستشفيات مرورا بمساجد وأسواق وصولا إلى أحياء سكنية وحفلات زفاف، عبر سلسلة من الغارات شنها على إقليم دارفور، غربي البلاد، بين أكتوبر/تشرين الأول 2024 وأبريل/نيسان 2026.
اتهامات «موثقة»، يقول خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، إنها في حين تقود إلى تجريد سلطات بورتسودان من شرعيتها وزيادة العزلة والضغوط الدولية عليها، فإنها تعمق في الوقت نفسه حالة انعدام الثقة وتغلق دروب الحل السياسي بجعل كلفة التسوية المستقبلية أكثر تعقيداً.

وإلى ذلك، قال حسب النبي محمود حسب النبي رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية عضو الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن هجمات الجيش السوداني المستمرة في مناطق دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وكردفان، تمثل استهدافاً عنصرياً وعرقياً ممنهجاً لمجموعات اجتماعية محددة.
وأوضح أن تنظيم الإخوان المسلمين وكتائب الحركة الإسلامية التي تسيطر على الجيش، تستهدف هذه المجموعات لاعتقادها بأنها تؤيد مشروع تحالف السودان التأسيسي أو قوات الدعم السريع.
وأضاف أن هذا السلوك يُعد امتداداً لتاريخ طويل من الحروب العنصرية التي خاضتها هذه المجموعات، مستدلاً بالملاحقات القضائية الدولية لكل من عمر البشير وأحمد هارون، ومحاكمة «كوشيب» في المحكمة الجنائية الدولية، مشيرًا إلى أن حرب 15 أبريل/نيسان جددت سيناريوهات التطهير العرقي ضد المدنيين لأسباب اجتماعية وثقافية.

وشدد على أن تواصل هذه الفظائع يضع عراقيل كبيرة أمام جهود إيقاف الحرب، مؤكداً استحالة التعايش أو التسامح مع المتورطين في قتل المدنيين وتشريد الأطفال.
واتهم تنظيم الإخوان المسلمين بإشعال الحرب في 15 أبريل/نيسان سعياً للوصول إلى السلطة، في سيناريو أدى فشله إلى انتهاج التنظيم استراتيجية تعتمد على استمرار الحرب لأطول فترة ممكنة، مستغلا الأوضاع لاستعادة السيطرة على المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية في مناطق نفوذه بشمال ووسط وشرق السودان.
وأضاف أن التنظيم يعمد إلى ارتكاب فظائع تزامناً مع فترات المفاوضات لضمان عدم تحقيق السلام والاستقرار، والتربح المالي من معاناة المواطنين.
في السياق نفسه، قالت الأكاديمية والباحثة السودانية، الدكتورة هداية تاج الأصفياء حسن البصري، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن الهجمات ضد المدنيين أو الأعيان المدنية، تؤدي إلى تعميق انعدام الثقة بين أطراف النزاع، وترفع سقف المطالب بالمحاسبة قبل أي تسوية.
وأوضحت أن تلك الهجمات تزيد -كذلك- من حالة الاستقطاب، وتضعف فرص بناء بيئة مواتية للحوار السياسي، ذلك لأن تصاعد العمليات العسكرية غالبًا ما يدفع الأطراف إلى تغليب الخيار العسكري على حساب التفاوض.

ولفت حسب النبي محمود حسب النبي رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية إلى أن التقارير الدولية الأخيرة «وثقت جرائم الجيش، مما سيسهم بوضوح في إبطال شرعية سلطات بورتسودان، وتزيد من الضغوط الدولية عليها».
ووصف عبدالفتاح البرهان بأنه «وكيل للنظام السابق» متورط في تأسيس المجموعات العسكرية وشبه النظامية التي ارتكبت المجازر سابقاً وحالياً.
شلل جهود الإغاثة
وفي الشق الإنساني، كشف عضو الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي عن التأثير الكارثي للهجمات الجوية على جهود الإغاثة، مؤكدًا أن الطيران المسيّر استهدف معبر "أديكونغ" الحدودي مع دولة تشاد لأكثر من سبع مرات خلال الأشهر الأربعة الماضية، وهو الشريان الوحيد لدخول المساعدات إلى دارفور، بالإضافة إلى قصف شاحنات الإغاثة في كردفان.
وأوضح أن دارفور تشهد يومياً ما بين 3 و4 طلعات جوية عشوائية باستخدام طائرات مسيّرة لا تميز بين المدنيين، مما دفع المنظمات الإنسانية إلى التراجع عن أداء مهامها نتيجة غياب الأمن والاستهداف المباشر لقوافلها، مثلما حدث سابقاً في محلية الكومة، والجنينة، وشرق دارفور، إلى جانب قصف المنشآت الطبية كمستشفى الضعين.

بدورها، حذرت الأكاديمية والباحثة السودانية، الدكتورة هداية، من تبعات استهداف البنية التحتية على المدنيين، مما قد يؤدي إلى تعطيل وصول المساعدات، وإغلاق الطرق، وتقليص حركة المنظمات الإنسانية، وزيادة أعداد النازحين، بشكل يفاقم الأوضاع الإنسانية ويؤخر وصول الغذاء والدواء والخدمات الأساسية إلى المحتاجين.
وأشارت إلى أن الغارات الجوية تخلّف آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، خاصة لدى الأطفال والنساء وكبار السن، مثل الخوف المزمن، واضطرابات ما بعد الصدمة، وفقدان الإحساس بالأمان، وتفكك الروابط الاجتماعية نتيجة النزوح وفقدان بعض أفراد الأسر ومصادر الرزق.
زيادة الضغوط
وتوقعت أن تسهم تلك الاتهامات في زيادة الضغوط الدبلوماسية والدعوات إلى إجراء تحقيقات مستقلة، فضلا عن استخدامها في مناقشات داخل المؤسسات الدولية أو في مراجعة سياسات بعض الدول تجاه السودان، لكن حجم تأثيره يعتمد على مواقف الدول الفاعلة وتوازنات المشهد الدولي.

وبحسب الأكاديمية السودانية، فإن الاتهامات الموثقة بانتهاكات جسيمة تؤثر في علاقات السودان الخارجية، سواء من خلال زيادة الضغوط السياسية أو إعادة تقييم التعاون مع بعض الشركاء الدوليين.
«كما قد تؤثر في فرص الحصول على الدعم الاقتصادي أو الانخراط في مبادرات دولية، إذا لم تُتخذ إجراءات ذات مصداقية للتحقيق والمساءلة»، تضيف الأكاديمية السودانية.
مطالب عاجلة
ووصف عضو الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي مهمة حماية المدنيين بأنها باتت بالغة الصعوبة جراء استخدام الترسانة والبنية التحتية الإيرانية، محددا خطوات عملية عاجلة لحماية المدنيين تشمل:
حظر الطيران الفوري:
فرض حظر جوي فوق مناطق دارفور، وكردفان، وجبال النوبة، والنيل الأزرق.
الملاحقة القضائية:
تفعيل التحقيقات والمحاكمات الدولية للقبض على المتهمين، والتحقيق مع البرهان وعلي كرتي باعتبارهما قادة الحرب الفعليين، بالإضافة إلى التحقيق مع 51 شخصية سياسية تابعة للتنظيم.
التدخل الدولي الحاسم:
وطالب عضو الهيئة القيادية لتحالف السودان، المجتمع الدولي، والدول الرباعية التي تصنف هذه المجموعات كمعرقلة للسلام، والخارجية الأمريكية التي تصنفها كجماعة إرهابية، بالتدخل العسكري المباشر لحسمها، قياساً على التدخلات الدولية السابقة ضد الإرهاب في سوريا، والعراق، ومواجهة جماعة "بوكو حرام" في أفريقيا.
آلية حماية المدنيين في دارفور
وحول آلية حماية المدنيين في دارفور في ظل استمرار استخدام الطيران والمسيّرات، قالت الأكاديمية والباحثة السودانية، الدكتورة هداية تاج الأصفياء حسن البصري إن حماية المدنيين تتطلب جملة من الإجراءات، أهمها:
- الالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب.
- ضمان عدم استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية.
- فتح ممرات إنسانية آمنة.
- تعزيز آليات الرصد والتحقق المستقلة.
- دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف إطلاق النار، ولو بصورة مؤقتة، لتسهيل حماية المدنيين وإيصال المساعدات.
وشددت على ضرورة اتخاذ بعض الخطوات العملية لمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات، والتي تشمل:
- إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الادعاءات.
- محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات يثبت ارتكابها، بغض النظر عن انتمائهم.
- مراجعة قواعد الاشتباك والعمليات العسكرية بما ينسجم مع القانون الدولي.
- تدريب القوات على حماية المدنيين.
- تعزيز الرقابة الوطنية والدولية على تنفيذ الالتزامات القانونية.
وحذرت من أن غياب المساءلة قد يضعف الردع ويزيد احتمالات تكرار الانتهاكات من مختلف أطراف النزاع، مما يؤكد أهمية المساءلة، إلى جانب العدالة الانتقالية وجبر الضرر للضحايا، كونها عناصر أساسية لمنع تكرار الانتهاكات وبناء سلام مستدام.
أما في الحالة السودانية، فإن أي مسار سياسي قابل للحياة يحتاج إلى الجمع بين وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإجراء تحقيقات مستقلة "دولية" في جميع الانتهاكات المنسوبة إلى أي طرف من أطراف النزاع ، وإرساء آليات للمساءلة والعدالة؛ فهذه العناصر ليست متعارضة مع التسوية السياسية، بل تُعد من مقومات نجاحها واستدامتها.