سلطات بورتسودان تعيد هندسة الديموغرافيا.. تطهير عرقي بدوافع اقتصادية
في خضم حرب السودان التي أذكاها الجيش ونفخ في كيرها تنظيم الإخوان، والتي خلفت أكبر أزمة إنسانية في العالم، تتكشف مأساة أخرى تسبب فيها «تحالف الدم» ذلك، لا تقل خطورة عن ساحات القتال.
فبعيدًا عن الجبهات العسكرية، تتعرض مدن سودانية وعلى رأسها الخرطوم، لإعادة تشكيل قسري للبنية السكانية والعمرانية، عبر عمليات إخلاء قسري وهدم واسع للمنازل والأسواق الشعبية، طالت مئات الآلاف من المدنيين، في حوادث تتسم بطابع تمييزي، إذ تستهدف مناطق محددة تقطنها مجتمعات فقيرة، بما في ذلك النازحون داخليًا القدامى والجدد، الذين سبق أن تضرروا من النزاعات المسلحة الممتدة في السودان، والعنف الأهلي، والفقر المدقع، وتغير المناخ، وآثار الجفاف والتصحر في مناطقهم الأصلية خلال العقود الأربعة الماضية.
انتهاكات وثقتها دراسة تحت عنوان: «عمليات الإخلاء القسري وهدم المنازل في الخرطوم: انتهاكات حقوق إنسان متعددة في سياق أزمة متصاعدة»، مستندة إلى شهادات حية من ضحايا وشهود وخبراء المجتمع المدني، إضافة إلى معلومات من مجموعة واسعة من تقارير الأمم المتحدة والوكالات الدولية والأوساط الأكاديمية وعدد من مصادر المعلومات المفتوحة، فضلا عن صور ومقاطع فيديو راجعها الباحثون باعتبارها مصادر بيانات ثانوية.
وتقول الدراسة التي نشرها مركز المعرفة السوداني وهو منظمة غير حكومية تتخذ من سويسرا مقرا لها، إن عمليات الهدم، التي تمتد أيضًا إلى الأسواق الشعبية، تتسم بأنها متعمدة ومنفذة بصورة ممنهجة، لا سيما في مختلف أنحاء العاصمة الخرطوم ومدنها التوأم، أي أم درمان والخرطوم شمال (المعروفة أيضًا باسم الخرطوم بحري).

وقد أفادت التقارير بأن حملة الإخلاء تصاعدت بشكل كبير اعتبارًا من مايو/أيار 2025، وتستهدف تجمعات سكنية مكتظة، مما قد يؤدي إلى آثار مدمّرة على حياة ومعيشة ملايين السكان الضعفاء أصلًا.
وبالإضافة إلى عمليات الإخلاء القسري للسكان من منازلهم، أفادت تقارير أيضًا بأن سلطات بورتسودان هدمت آلاف المحال التجارية والأكشاك وأكشاك البيع في عدد من الأسواق التقليدية، خصوصًا في المناطق السكنية ذات الدخلين المنخفض والمتوسط، مما قد يدفع ملايين السكان الذين يعانون أصلًا من الهشاشة إلى مزيد من الفقر المدقع والبؤس الحاد، والنزوح المستمر، والاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية.
وتسببت حملة الإخلاءات القسرية الممنهجة في مواجهات عنيفة بين الضحايا والشرطة، مما أدى لتعرض مئات الأفراد الذين حاولوا مقاومة عمليات الهدم، بما في ذلك نساء وأطفال، لاعتداءات جسدية ولفظية، كما جرى اعتقال العشرات منهم واحتجازهم بالسجون.
اعتداءات لم يسلم منها حتى عشرات الجنود الذين اعترضوا على تدمير منازلهم، وقُتل ما لا يقل عن ثلاثة منهم بطريقة وحشية أثناء احتجازهم في الخرطوم بحري خلال مارس/أبريل 2026.
ووفقًا لصديق الخليفة، رئيس اللجنة التي شكّلتها المجتمعات المتضررة للتفاوض مع السلطات، فإن «جميع المناشدات ومحاولات إيجاد حل قد رُفضت، وأصرت السلطات على تنفيذ عمليات الهدم».
وأوضح، أنه يمكن توصيف كامل عملية الإخلاء بأنها شكل من أشكال العقاب الجماعي الانتقامي، يُنفذ في انتهاك صارخ للقوانين الوطنية السودانية وللمعايير الإقليمية والدولية العرفية.
وقد تُركت عائلات كاملة، من بينها أطفال صغار، تحت أشعة الشمس عقب تدمير منازلهم.
حرب اقتصادية
ورغم أن السودان شهد في السابق حالات متعددة من الإخلاء القسري، كانت بعضها يتسم بدرجة من التشاور مع المجتمعات المتضررة، ومعاملة إنسانية نسبية، فضلًا عن توفير بدائل للسكن أو قطع أراضٍ لإعادة البناء، غير أن الحملة الجارية في الخرطوم تختلف في طبيعتها ونطاقها اختلافًا جوهريًا، إذ تبدو وكأنها خطة مُسبقة التنفيذ ترقى إلى مستوى «حرب اقتصادية» تشنها السلطات على بعض المجتمعات القادمة من مناطق الأطراف في السودان.
فخلال عمليات الإخلاء، جرى هدم أحياء سكنية كاملة بما في ذلك المنازل، والمتاجر، ومخازن المواد الغذائية، ودور العبادة، والمدارس، والمراكز الطبية، تاركة السكان دون مأوى.
كما تم تدمير عشرات المساجد، وما لا يقل عن 13 كنيسة تتبع طوائف مختلفة في الخرطوم، ما أدى إلى تهجير نحو 35 ألفًا من أتباع الأقلية المسيحية بين مارس/آذار وديسمبر/كانون الأول 2025.
ويُظهر نطاق هذه الحملة وشدتها أنها مفتوحة من حيث الإطار الزمني والجغرافي، أو على الأقل لا تخضع لحدود واضحة.
تطهير عرقي
ويُعد هدم المنازل ومنع السكان من استخدام الأسواق لتأمين دخل كريم وحياة معيشية لائقة، دون مراعاة حقيقية لحقوقهم المدنية المكفولة بموجب القوانين الوطنية أو الأطر الإقليمية والدولية، بمثابة تطهير عرقي.
وتبدو خطط الإخلاء والهدم القسري مصممة على دفع الضحايا إلى مغادرة مناطقهم، بعد أن تُركوا بلا خيارات سوى ترك منازلهم وممتلكاتهم وذكرياتهم، والتوجه إلى مناطق أخرى داخل البلاد، وهو ما يتفاقم أثره بفعل هشاشتهم وظروفهم المعيشية المتدهورة نتيجة النزاع المسلح وانعدام الأمن العام.
نطاق وحجم عمليات الإخلاء
وبحلول نهاية مارس/آذار 2026، كانت التقديرات الأولية تشير إلى هدم ما لا يقل عن 20,000 منزل، مع احتمال تأثر نحو 200,000 شخص بشكل مباشر أو غير مباشر في ولاية الخرطوم وحدها. وقد ارتفعت هذه الأرقام مع استمرار عمليات الإخلاء وهدم المنازل خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار 2026، حيث تعرض بعض الضحايا لعمليات إخلاء متكررة. ومن بين المناطق الأكثر تضررًا: منطقة «قلب الأسد»، ومانديلا، وغنوش، وضواحي حي مايو السكني، ومحلية جبل أولياء جنوب الخرطوم.
وفي الخرطوم بحري، شملت عمليات الهدم الكلي أو الجزئي مناطق كرتون كسلا (البركة)، السريحة، الإزبة، أم القرى، الخيرات، دار السلام، الوحدة، والتكامل. أما في أطراف أم درمان، فقد طالت العمليات مناطق أبو سعد، الفتيحاب، دار السلام، النفاشا، المرزوق، وضواحي الفتح. كما تم تدمير الأشجار داخل المناطق العامة والخاصة دون أي تفسير.
ضحايا الإخلاء القسري
القاسم المشترك بين ضحايا حملة الإخلاء القسري والهدم هو أن الغالبية الساحقة منهم تنتمي إلى القبائل الأفريقية في منطقتي كردفان ودارفور. وقد عانت هذه المجتمعات لسنوات طويلة من التمييز، والظلم التاريخي، والاستغلال، والحرمان الاقتصادي، بما انعكس في شكل إقصاء اجتماعي وتفقير ممنهج ذو أبعاد اقتصادية وسياسية.
وتشير المعطيات إلى أن الغالبية العظمى من المتضررين استقروا في المناطق التي تم هدمها منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ويعملون عادة في وظائف هامشية ومنخفضة الدخل، خاصة في القطاع غير الرسمي مثل الباعة المتجولين، والحرفيين، وعمال الخدمة المنزلية، أو في وظائف حكومية متوسطة الدخل، بما في ذلك بعض أفراد الجيش والشرطة.

وبسبب محدودية مواردهم الاقتصادية، وضعف استقرارهم الوظيفي، أو انخفاض جدارتهم الائتمانية، يُستبعد أفراد هذه المجتمعات عمليًا من الوصول إلى مخططات تخصيص الأراضي في المناطق الحضرية. ويعود ذلك إلى عدم استيفاء معظمهم لشروط الاستحقاق التي تضعها السلطات للحصول على قطع أراضٍ للبناء السكني، إضافة إلى العوائق الإدارية والرسوم المرتفعة التي تعجز شريحة واسعة منهم عن دفعها.
كما أن عدم القدرة على تقديم إثبات عمل في القطاع الرسمي يحرم الغالبية من فرص الحصول على تمويل بنكي أو قروض لبناء مساكنهم. وفي المقابل، تشير ملاحظة أخرى إلى أن سياسات توزيع الأراضي الحضرية في السودان، وممارسات إدارة الأراضي بوزارة التخطيط العمراني بولاية الخرطوم، تميل إلى تحويل الأراضي العامة إلى سلعة قابلة للتداول التجاري.
يمثل هذا النهج أحد المحفزات المهمة للسلطات المحلية لبيع الأراضي للمستثمرين بدلًا من تخصيصها للسكان المستحقين، ومن حين لآخر، تقوم ولاية الخرطوم ببيع الأراضي الحضرية عبر مزادات علنية تُفضّل أعلى العطاءات، مما يدفع المجتمعات الفقيرة والمهمشة إلى الانتقال نحو «الأراضي الهامشية» في أطراف المدن، حيث تُنشئ تجمعات سكنية جديدة، وتبدأ حياتها من جديد، ثم تنتظر موجة جديدة من الإخلاءات وهدم المنازل.
الأبعاد الإقليمية والعرقية للحملة
يبدو أن حملة الإخلاء القسري تتخذ طابعًا عقابيًا ذا دوافع عرقية. فهي تأتي في سياق شديد من انعدام الأمن وتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وفي ظل تصاعد خطاب الكراهية والتحريض في البلاد، ما يضاعف من آثارها على المجتمعات المستهدفة.
وقد أفاد عدد من الضحايا بتعرضهم لإهانات وشتائم ذات طابع عنصري من قبل قوات الأمن أثناء تنفيذ العمليات. وبسبب انتماءاتهم الإقليمية أو العرقية، خاصة من ولايتي دارفور وكردفان، جرى تصنيفهم بشكل تعسفي وجماعي باعتبارهم «حاضنات بشرية» لقوات الدعم السريع، أو اتهامهم زورًا بالتعاطف أو التعاون معها خلال فترة سيطرتها على الخرطوم بين 15 أبريل/نيسان 2023 ومارس/آذار 2025، كذريعة لتجريم ضحايا الإخلاء القسري وتبرير الانتهاكات المرتكبة بحقهم.
ومن المفارقة أن مئات الآلاف من ضحايا عمليات الإخلاء القسري هم في الأصل موظفون حكوميون في وظائف منخفضة الدخل، بما في ذلك جنود في صفوف القوات المسلحة السودانية، والشرطة، وأجهزة أمنية أخرى، بينما كان آخرون يساندون المجهود الحربي للقوات المسلحة كمتطوعين أو ضمن أدوار مختلفة.

وقد شوهد العشرات من هؤلاء الجنود المنهكين وهم يرتدون الزي العسكري أثناء تفقدهم أنقاض منازلهم المدمرة أو بحثهم عن أفراد أسرهم، ولإضافة مزيد من المعاناة، تصدر السلطات في بعض الحالات إشعارات إخلاء لا تتجاوز 72 ساعة، ثم يتم هدم المنازل دون منح السكان وقتًا كافيًا لجمع ممتلكاتهم أو تأمين مأوى بديل. كما لم تُقدَّم أي تعويضات مالية أو بدائل سكنية أو دعم اجتماعي للضحايا.
وقد أدى هذا النمط من الإخلاء القاسي وغير العادل إلى ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي، وزيادة معدلات المرض والوفاة بين المتضررين، فضلًا عن تعميق عزلتهم الاجتماعية وتوسيع دائرة الإقصاء.
ومما يزيد من حدة المأساة، أن عمليات الإخلاء القسري ترافقت مع تصاعد حملات خطاب الكراهية والتحريض العلني على العنف العرقي عبر منصات التواصل الاجتماعي داخل السودان، حيث استُخدم خطاب تمييزي ومهين لتجريم المجتمعات المستهدفة وتبرير الانتهاكات ضد حقوقها.