عقوبات متعددة.. «كيماوي» الجيش يفاقم عزلة السودان
في الوقت الذي يتشكل فيه شبه إجماع دولي على ضرورة إيقاف الحرب في السودان عبر المسار السياسي السلمي، يتمادى الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان في تغليب لغة الحسم العسكري لفرض خيار الحرب دون هدنة يطلبها المجتمع الدولي والإقليمي.
وطبقاً لتقارير دولية ومحلية، فإن الحرب التي أشعلها منسوبو التنظيم الإخواني في الجيش السوداني وجهاز الأمن والمخابرات، أحالت السودان إلى مسرحٍ فوضوي مّكن عناصر التنظيم من استغلال الأوضاع الأمنية لتنفيذ أكبر حملة انتهاكات ضد الانسانية يشهدها السودانيون، فضلا عن الضلوع في العبث بالقانون الدولي الانساني وارتكاب جرائم حرب من خلال استخدام الأسلحة المحرمة دولياً.
غير أن عدم إلتفات قيادات الجيش السوداني لنداءات السلام، والتمترس في خانة خيار الاستمرار في الحرب رغم كلفتها الانسانية المأساوية، وما صاحبها من وقائع تثبت استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيماوية، هو ما يدفع الآن المجتمع الدولي نحو استخدام المزيد من أدوات الضغط لمحاصرة مؤججو الحرب ودعاة استمرارها في السودان.
عقوبات جديدة إضافية ضد السودان أعلنت عنها واشنطن، السبت، شملت معارضة تقديم المؤسسات الدولية أي مساعدات مالية أو تقنية، وفرض قيود على الصادرات، بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
وبحسب مراقبون في السودان تحدثوا لـ"العين الإخبارية"، فإن إصرار قيادة الجيش السوداني على رفض أي مساعٍ دولية وإقليمية لإنهاء الحرب، سوف يقود السودان نحو "العزلة المؤسسية" التي تؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الدولة التي تعاني أصلاً من توقف الانتاج وضعف الصادرات بسبب الحرب.
قيود إضافية
المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت، قال في بيان، إن العقوبات تتضمن فرض مزيد من القيود على الصادرات من واشنطن إلى السودان، إضافة إلى منع شركات الطيران المملوكة للدولة من العمل في الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن هذه العقوبات فُرضت بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ومكافحة الاستخدام الحربي لها.
وذكر تومي بيغوت أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ملتزمة بتحقيق سلام دائم في السودان، داعيا الأطراف المتحاربة إلى الموافقة على هدنة إنسانية والالتزام بها لإنهاء الفظائع وتخفيف معاناة السودانيين.
ونادى أيضا بضرورة إنهاء كل أشكال الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة.
وفرضت واشنطن في 22 مايو/أيار 2025 عقوبات على حكومة السودان شملت قيودا على الصادرات الأمريكية إلى البلاد وعلى الوصول إلى خطوط الائتمان، بعد اتهامها باستخدام أسلحة كيماوية في سياق النزاع القائم.
كما فرضت الولايات المتحدة يوم الجمعة 26 يونيو/حزيران عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات قالت إنها تزود الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالأسلحة والمتفجرات والمقاتلين الأجانب، مشيرة إلى أن هذا الدعم أدى إلى إطالة أمد الصراع الذي تسبب في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وأتاح مجالا للجماعات الإرهابية للعمل.
دائرة العزلة
القيادي بحزب الأمة القومي في السودان، عروة الصادق، وصف العقوبات الأمريكية الجديدة، بأنها تمثل تطورًا سياسيًا واقتصاديًا بالغ "الخطورة".
وقال الصادق لـ"العين الإخبارية": هذه العقوبات بالطبع سوف تنقل السودان من دائرة الضغوط المرتبطة بالحرب إلى دائرة العزلة المؤسسية".
وأضاف أن معارضة حصول السودان على تمويل أو دعم فني من المؤسسات المالية الدولية، إلى جانب القيود على الصادرات، تعني عمليًا تضييق مساحة التعافي الاقتصادي في بلد يواجه أصلًا انهيارًا في الإنتاج، وتراجعًا في الإيرادات، وأكبر أزمة إنسانية في تاريخه الحديث".
وبحسب عروة الصادق فإن العقوبات الأمريكية تكشف من الناحية الاستراتيجية، أن الحرب لم تعد تُقاس بنتائجها العسكرية وحدها، وإنما أصبحت تؤثر مباشرة في مكانة السودان داخل النظام المالي الدولي، وكلما طال أمد الصراع، ازدادت صعوبة إعادة دمج البلاد في الاقتصاد العالمي، وارتفعت كلفة إعادة الإعمار، وتراجعت ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين".
وأضاف: " استمرار المواجهة العسكرية لن يفضي إلى مزيد من العزلة فحسب، وإنما قد يدفع السودان إلى دورة متصاعدة من العقوبات والانكماش الاقتصادي يصعب الخروج منها حتى بعد توقف القتال.
وتابع قائلا :" لقد رأينا كيف عانت الحكومة الانتقالية برئاسة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، في رفع اسم السودان من قوائم الحظر والعقوبات الدولية".
مسار التدابير المتدرج
من جهة ثانية، يرى الخبير القانوني عضو المكتب التنفيذي لـ"محامو الطوارئ" في السودان، محمد صلاح، أن العقوبات الأمريكية الأخيرة تمثل امتدادًا لمسار متدرج من التدابير التي اعتمدتها الولايات المتحدة منذ اندلاع النزاع في السودان، بدأ بفرض عقوبات على أفراد وكيانات يُشتبه في مسؤوليتها عن انتهاكات جسيمة أو الإسهام في استمرار النزاع، ثم توسع ليشمل إجراءات ذات أثر اقتصادي ودبلوماسي أوسع بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
وقال صلاح لـ"العين الإخبارية" إنه "من منظور حقوق الإنسان، يمكن النظر إلى هذه التدابير بوصفها أدوات تستهدف تعزيز المساءلة والامتثال للقانون الدولي الإنساني، شريطة أن تُنفذ بما يتوافق مع مبادئ الضرورة والتناسب وألا يترتب عليها مساس غير مبرر بحقوق المدنيين".
وبحسب صلاح، فإن "اتساق هذه التدابير مع أهدافها يقتضي أن تقترن بضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية، ودعم آليات التحقيق والمساءلة المستقلة، وتعزيز الجهود الرامية إلى حماية المدنيين وإنصاف الضحايا، بما يحقق التوازن بين مكافحة الإفلات من العقاب وصون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان المتأثرين بالنزاع".