جندي بريطاني رفض «قتل هتلر».. «خطيئة» غيرت مجرى التاريخ
في لحظة إدراك إنسانية، رفع إصبعه من على الزناد ليحتفظ برصاصة كان بإمكانها إنقاذ أكثر من 50 مليون شخص من مأساة الموت في الحرب.
ففى عام 1918، اختار الجندي البريطاني هنري تاندي عدم إطلاق النار على رقيب ألماني كان يعرج بسبب إصابته بجروح بالغة، بالرغم من أنه كان في مرمى نيران بندقيته.
ولم يكن يعلم أن ذلك الرقيب الذي منعته إنسانيته من قتله سيتسبب لاحقا فى إشعال فتيل الحرب العالمية الثانية، المواجهة التي أفنت عشرات الملايين من الأشخاص وأصابت 80 مليون آخرين.
قصة غيرت مجرى التاريخ كما يقول مؤلف سلسلة «تواريخ فظيعة»، الذي استعرض في كتاب المكاسب والإخفاقات الكبرى في التاريخ البريطاني، ويبدو أن تلك الرصاصة التي لم يطلقها الجندي كانت واحدة من النقاط القاتمة.
قضى تاندي حياته في خنادق الحرب، حيث قاتل ونجا من الحرب في أكثر من مرة، ثم أصيب في إحدى المعارك في ساقه، وبعد تعافيه عاد للقتال في عام 1917، وكان ذلك في جبهة «باشنديل»، وهي واحدة من الجبهات الصعبة والأكثر دموية، وهناك أصيب مجددا.
كان عليه أن يخلد لراحة إجبارية، وحين التأم جرحه عاد للقتال في سبتمبر/أيلول 1918، وحينها كانت قوات المشاة الألمانية تتراجع تحت وطأة الهزيمة، أما هو فكان يقود هجوما على بلدة ماركوينغ ويحقق تقدما واضحا.
كانت الأمور تسير بشكل جيد بالنسبة للجندي البريطاني وفريقه، حيث أجبرت نيرانهم الجنود الألمان على الركوع، وفي خضم ذلك المشهد، يجد تاندي نفسه وجها لوجه مع رقيب ألماني من نفس عمره تقريبا، كان يتقدم عبر مرمى النار.
لم يكن أمام الجندي البريطاني أكثر من ثوانٍ قليلة للتفكير: هل يطلق عليه النار؟
وبالفعل، كان يرفع بندقيته إلى المنتصف فيما يشتد إصبعه على الزناد، ولم يكن الأمر ليحتاج بعد ذلك لأكثر من جزئية من الثانية لحسم الأمر وتحويل ذلك الجسد النحيل قبالته لجثة هامدة.
كاد يضغط لكن، وفي لحظة إدراك إنسانية لم يفعل، بل مضى فكره لأقصى الخط المعاكس لما كان ينبغي عليه القيام به، حيث قرر خفض بندقيته ثم أومأ للرقيب أن يتقدم إلى الأمان.
وبحسب سلسلة «تواريخ فظيعة»، قال تاندي في حديث مع صحيفة نشر في عام 1940: «لقد صوبت عليه، لكنني لم أستطع إطلاق النار على رجل جريح، فتركته يحيا».
في حينه، لم يكن تاندي ليعرف أن تلك الرصاصة التي لم يطلقها كانت الأهم في القرن الـ20، بل غيرت مجرى العالم وصولا للقرن اللاحق، فذلك الرقيب الذي نجا كان أدولف هتلر، ولو ضغط يومها على الزناد لكان ربما أنقذ العالم من حرب مدمرة.
في حسابات الحروب، تبدو المقاربة بالغة التعقيد حين يتعلق الأمر بتقييم تصرف مماثل: القاعدة الذهبية تفرض قتل العدو أو أسره في ساحة المعركة، لأن إفلاته يعني أنه يصنع رقما إضافيا أكثر شراسة في قائمة أعدائه بالمستقبل، وأن من تنقذه اليوم لأنه جريح، سيقف غدا بعد تعافيه ليوجه الرصاصة إلى قلبك.
لكن تاندي لم يكن في تلك اللحظة المصيرية ليفكر بكل ذلك، كانت إنسانيته هي المحدد، وكان ذلك ما فعله طوال 4 سنوات قضاها في الجبهات.
كما أن ما فعله مع هتلر لم يكن الموقف الوحيد الذي جعله يحصل لاحقا على أوسمة وجوائز، حيث احتفي بشجاعته في معركة أخرى قام خلالها بإنقاذ جندي مصاب وحمله إلى منطقة آمنة.
لحظة إدراك إنسانية حملت الجندي البريطاني لواجهة كتب التاريخ، لكنها فجرت التاريخ نفسه بواحدة من أشرس المحطات الدموية، ومنحت هتلر فرصة حياة دمرت أكثر من حياة.