بيئة

مهمة شاقة لإنقاذ خيول عربية نادرة في سوريا

الأحد 2019.3.3 05:03 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 176قراءة
  • 0 تعليق
مهمة شاقة لإنقاذ خيول عربية أصيلة فتكت بها الحرب في سوريا

مهمة شاقة لإنقاذ خيول عربية أصيلة فتكت بها الحرب في سوريا

بلطف شديد، يداعب الطبيب البيطري أحمد شريدة "كارين الغوطة"، الفرس الأحب إلى قلبه، يهمس في أذنها قليلاً قبل أن يناولها جرعة جديدة من الأدوية في مركز إيواء مخصص لرعاية الخيول العربية الأصيلة قرب دمشق.

تبدو "كارين الغوطة" في إشارة للغوطة الشرقية قرب دمشق، البيضاء والرمادية اللون والبالغة من العمر 11 عاماً، ضعيفة ومنزوية وغير قادرة حتى على أن تصهل.  

ويقول الطبيب البيطري، 51 عاماً، الذي كان يعيش في الغوطة الشرقية قبل نزوحه منها: "أعرف كارين جيداً، أنا من أخرجها من بطن أمها، وربّيتها طيلة سنوات، قبل أن تُسرق في 2012 بعد هروب معظم الخيل من مزرعة في مدينة دوما"، أبرز مدن الغوطة، التي كانت تشكل أهم معاقل الفصائل المعارضة قرب العاصمة.

ويضيف: "كانت كارين ملكة جمال خيول الغوطة"، أما اليوم فقد فتك الضعف والمرض بها بعدما أمضت سنوات صعبة تحت القصف والمعارك والحصار في الغوطة الشرقية.

ويوضح شريدة أن "كل الخيول التي وجدناها من الغوطة الشرقية نحيلة ومريضة، إذ كانت في بيئة غير صحية من ناحية الأجواء الصاخبة وأصوات المعارك والخطر المحدق بها دائماً، ومن ناحية سوء التغذية وعدم خضوعها للفحص الطبي".

وبعد سيطرة الجيش السوري على الغوطة الشرقية في أبريل/نيسان الماضي، أطلق مكتب الخيول العربية في دمشق، التابع لوزارة الزراعة، حملات للبحث عن الخيول الضائعة.

وبدأ المكتب تدريجياً بنقلها إلى مزرعة الديماس قرب دمشق، التي أنشئ فيها العام الحالي إسطبل خاص بخيول الغوطة الشرقية، وأنقذ حتى الآن 25 منها من أصل 70 من كل المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة.

وتعيش في مزرعة الديماس أيضاً خيول أنقذت من مناطق أخرى، مثل ريف حماة (وسط) ودرعا جنوباً.   

آخر خيول الهدباء

و"كارين" هي آخر فرس من رسن "هدباء انزحي الفواعرة"، لوجود أهداب طويلة على عينيها وناصيتها، وهذا الرسن هو واحد من 7 أرسان أصيلة في سوريا، وفق مكتب الخيول العربية.

يسعى شريدة و5 أطباء آخرون جاهدين لكسر عزلة "كارين" وعلاجها لإنقاذ رسنها من الانقراض، يخرجها أحياناً إلى ساحة الإسطبل لكنها في معظم الأوقات لا تتجاوب معه.

يحقن شريدة "كارين" بإبرة قرب رقبتها ثم يمسح يده عليها ليطمئنها، وهو الذي كان أحد مندوبي مكتب الخيول العربية إلى الغوطة لتفقد الخيول، وتعرف على "كارين" فور رؤيتها قبل شهرين.

ويقول الطبيب، الذي يضع نظارات طبية وحول رقبته سماعته الطبية: "صُدمت حين رأيت كارين المرة الأولى بعد 7 سنوات، كانت عبارة عن عظم مكسوّ بالجلد، وشاحبة، ولا تستطيع حتى الوقوف"، ويضيف: "كارين اليوم كئيبة وحزينة".

ورسن "هدباء انزحي الفواعرة" مهدد أساساً بالانقراض منذ ما قبل الحرب، وباتت مهمة إنقاذه اليوم أصعب.

ويشرح مدير مكتب الخيول العربية في وزارة الزراعة السورية محمد غياث الشايب أن "رسن هدباء انزحي الفواعرة مهدد بالانقراض من قبل الحرب، فلم يكن هناك سوى بضعة خيول، أما اليوم فلم يعد سوى كارين".

ويضيف: "نحاول إنقاذ الرسن عبر نظام غذائي محدد ورعاية صحية كاملة لكارين، وسنحاول أن نزرع أجنة لضمان أن تنجب مولوداً أنثى من رسنها".

فقدنا الآلاف

أمام غرفة "كارين" في إسطبل الديماس، تمر "ماريا" التي لم تكن أحسن حالاً من صديقتها، إذ تنتمي إلى رسن الكحيليات الشهير، بسبب اللون الأسود الذي يحيط عينها ويُشبه الكحل، ورغم العثور عليها قبل شهرين في دوما، فإن وضعها الصحي لا يزال حرجاً.

وتعرف الخيول العربية بسرعتها وجمالها وقدرتها على التحمل، وتعد من أجود وأقدم أنواع الخيول في العالم، ويجري الاعتماد عليها بشكل كبير للتناسل مع سلالات أخرى، بهدف تحسين جودة الأخيرة.

وفي سنوات النزاع الأولى، لم تسجل سوريا أي خيول أصيلة لدى المنظمة العالمية للخيول العربية التي انضمت إليها في عام 1989.

ويقول الشايب: "في 2011، كان لدينا 8500 خيل مسجّل لدى المنظمة العالمية، وفقدنا منها 3 آلاف جراء التشرد والنزوح والخطف والقتل"، مشيراً إلى أنه "جرى تهريب بعضها إلى خارج البلاد أيضاً، حالها حال الآثار، فكلاهما لا يُقدّر بثمن".

وخلال السنوات الماضية، واصل المكتب عمله لتثبيت نسب مئات الولادات الجديدة، وجرى منذ عام 2014 تسجيل نحو 2400 خيل أصيلة.

عدوانية ومكتئبة

يتألف الإسطبل في الديماس من صناديق متقابلة ومفتوحة، وفوقها سقف معدني، وفي محيطها باحات صغيرة تلعبُ بها الخيل وأماكن أخرى مخصّصة للطعام والشراب.

يتجول مدرّب الخيول جهاد غزال، 40 عاماً، في المزرعة، إذ يعلو صهيل أحد الخيول بشكل جنوني.

ويشرح غزال الحالة النفسية التي مرت بها الخيول، ويقول: "الخيل حسّاسة للغاية وتأثّرت كثيراً من الأصوات التي كانت تسمعها، كانت تصلنا خائفة وعدوانية ومكتئبة ومن الصعب الاقتراب منها، وتحتاج إلى فترة طويلة حتى تُروّض مُجدداً".

يعتلي جهاد الحصان "نجم"، ويتجول به في ساحة الإسطبل، إذ يتجاوب "نجم" بني اللون والممشوق بسهولة مع المدرب، كونه ظل في السنوات الماضية بمنطقة بعيدة عن القصف والمعارك في دمشق.

يتذكر جهاد أنه قبل سنوات استهدفت غارة اتهمت دمشق إسرائيل بتنفيذها، منطقة واقعة قرب الديماس، و"لفترة عام من بعدها، كان المهر يولد مشلولاً أو ميتاً نتيجة الذعر الذي أصاب الخيل".

ويقول: "الخيل حساسة، وقد تتعرّض لصدمات عاطفية"، مشيراً إلى أنه في 2016، وبعد دوي انفجار قرب المنطقة "عمد أحد الخيول إلى الانتحار، ضرب رأسه بالحديد إلى أن مات".

تعليقات