سياسة

"داعش" يعود بالرداء الأبيض

السبت 2018.4.28 10:27 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 712قراءة
  • 0 تعليق
سلام السعدي

يتزايد الحديث عن تنظيم عسكري جهادي جديد في شمال العراق، يدعى تنظيم “الرايات البيضاء”. يرفع هذا التنظيم راية بيضاء يتوسطها رسم الأسد كشعار له. وتقدّر أعداد مقاتليه ببضعة مئات. بمقاييس التنظيمات الجهادية في سوريا والعراق التي نجحت في تجنيد عشرات الآلاف خلال السنوات الماضية، يعتبر عدد مقاتلي “الرايات البيضاء” صغيراً للغاية.

ولكن، ضمن مقاييس حركات التمرد والحركات الجهادية قبل الربيع العربي، يمكن لبضعة مئات أن تمثّل تحديّاً جديّاً للحكومة العراقية ولوكلائها المحليين والدوليين بمرور الوقت.

يعتبر البعض أن التنظيم الجديد هو عبارة عن بقايا تنظيم داعش المهزوم. ضمن المعلومات الشحيحة المتوفرة، فإن قائد الرايات البيضاء، أحمد حكومة، كان عضواً في تنظيم القاعدة في العراق في 2004، ومن ثمّ في "داعش" في منتصف عام 2014، وقد ترك "داعش" بسبب خلافات على الهدف الذي يقاتل من أجله التنظيم، أي إقامة الخلافة الإسلامية، والتكتيك العسكري المتبع. هكذا، بخلاف "داعش" الذي ركّز جهوده العسكرية منذ البداية في المدن الرئيسية، تتخذ الرايات البيضاء من الجبال والمرتفعات مقرّاً لها.

مع هزيمة تنظيم داعش في نهاية العام الماضي، قد يكون تنظيم الرايات البيضاء هو الوريث الجديد لا للتنظيم المتطرّف، بل للشروط السياسية والاجتماعية التي أنتجته وتواصل إنتاج حركات التمرّد

وحتى لو لم يكن التنظيم الجديد امتداداً لتنظيم داعش، فإن أهم ما يجمعهما هو الظروف السياسية التي أنتجت كلاً منهما. هنالك تاريخ من الاضطهاد السياسي والاجتماعي للبيئة السنية بعد الغزو الأمريكي للعراق، وهو ما جعلها بيئة خصبة جداً لنموّ حركات تمرّد اتخذت شكل الجهادية. مكّنت تلك الظروف تنظيم داعش لا من البروز فقط، بل من تبوّء مكانة استثنائية في تاريخ الحركات الجهادية، وعلينا أن ننتظر لنرى كيف ستخدم تلك الظروف تنظيم الرايات البيضاء، وما إذا كان سيستفيد منها لإنشاء ظاهرة جديدة راسخة ومستدامة. ولكن، الأكيد هو أن الدولة العراقية الحالية، المتسمة بالطائفية والعدوانية، ستواصل توفير كل شروط المظلومية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتوليد حركات التمرّد وإعادة إحياء من يوشك على الموت منها.

ويبدو السؤال مشروعاً حول إمكانية نجاح تنظيم الرايات البيضاء. على صعيد أعداد المقاتلين لا تزال أعدادهم صغيرة. ورغم أن التنظيم الجديد باشر القيام بعمليات عسكرية تشبه حرب العصابات، وذلك بتوجيه ضربات خاطفة وزرع الألغام لاستهداف سيارات وقافلات محددة تابعة للحكومة العراقية، لا يزال صدى تلك العمليات هزيلاً. كما أنه من المتوقع ضعف مستوى التجنيد الشعبي بعد تجربة السنوات الماضية التي قاد فيها تنظيم داعش شباناً غاضبين من المجتمع السنّي للتدمير الذاتي والانتحار.

ولكن التنظيم الجديد لا يبدي رغبة كبيرة بالصعود السريع، ولا يستعجل اجتذاب أعداد كبيرة من المقاتلين. ويبدو ذلك واضحاً من عدم افتعال ضجة أو تضخيم إعلامي، كما كان يفعل تنظيم داعش. بالنسبة للأخير، كانت الحرب النفسية والإعلامية جزءاً مهماً في استراتيجية تجنيد عشرات الآلاف، حيث أسهمت برسم صورة استثنائية له في وسائل الإعلام. ليس لدى تنظيم الرايات البيضاء، بالمقابل، أي مؤسسات إعلامية خاصة، وهو ما يزيد من الغموض الذي يحيط به.

هكذا، لا يرتبط معيار النجاح بالتطور السريع أو الانفجاري كما حدث مع تنظيم داعش. فذلك كان تطوراً استثنائياً في ظروف تاريخية خاصة مكّنت "داعش" من اجتذاب أكثر من ثمانين ألف مقاتل في عام 2015. إن معيار نجاح التنظيم الجديد هو مجرد البقاء المحدود في مناطق جبلية وعرة، وخوض حرب طويلة المدى مع الحكومة العراقية وكسب الدعم السياسي لشرائح من السكان.

سوف يُعتبر التنظيم ناجحاً في حال تمكّن من تحدي إعلان “النصر على الإرهاب” من قبل الحكومة العراقية والولايات المتحدة. وهو ما يؤكد من جديد أن تحويل التصدي للإرهاب إلى مسالة أمنية بحتة دون اعتبارها أولاً وأخيراً مسألة سياسية تتعلق بشرعية الدولة وبالشروط السياسية والاجتماعية الواقعة على سكان تلك الدولة، فلن يقود إلا إلى نسخ جديدة من الحركات الجهادية.

لا يملّ التاريخ الحديث للعراق بعد الغزو الأمريكي من إعادة نفسه. نذكر أنه مع مقتل أبومصعب الزرقاوي في عام 2006، أعلنت القوات الأمريكية هزيمة تنظيم القاعدة في العراق. ما بدا هزيمة ساحقة للتنظيم وتوطيداً لأركان دولة عراقية مستقرة، مهد في حقيقة الأمر الطريق لخلق تنظيم جديد أكثر شراسة، وأكثر قدرة على التعبئة والقتال، ولا يقتصر طموحه على العراق فقط وإنما يمتد ليطاول كل بلاد الشام وهو تنظيم داعش. ومع هزيمة تنظيم داعش في نهاية العام الماضي، قد يكون تنظيم الرايات البيضاء هو الوريث الجديد لا للتنظيم المتطرّف، بل للشروط السياسية والاجتماعية التي أنتجته وتواصل إنتاج حركات التمرّد.

نقلا عن "العرب اللندنية"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات