الكهرباء تخطف الأضواء من الرقائق في عالم الذكاء الاصطناعي.. سباق بـ5 تريليونات دولار
تشهد استثمارات البنية التحتية للطاقة المخصصة للذكاء الاصطناعي سباقا متسارعا مع تزايد الطلب على الكهرباء اللازمة لمراكز البيانات.
ونقل تقرير نشره موقع "أويل برايس" عن المستثمر ورجل الأعمال الأمريكي كيفن أوليري، المعروف بلقب "Mr. Wonderful" في برنامج Shark Tank، أن الفرصة الأكبر لا تكمن في شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، وإنما في البنية التحتية التي تحتاجها هذه الصناعة، والتي تُقدر قيمتها بأكثر من 5 تريليونات دولار.
وأشار أوليري إلى شركة Bitzero المدرجة في بورصة ناسداك باعتبارها من أوائل الشركات التي تستهدف حل أكبر عقبة تواجه توسع الذكاء الاصطناعي، وهي توفير الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل مراكز البيانات الضخمة.
وبينما ركزت غالبية الأسواق خلال السنوات الماضية على برمجيات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، كانت Bitzero تستعد للاستفادة من الطلب المتزايد على الكهرباء، إذ وقعت في 5 مايو/أيار خطاب نوايا ملزمًا لاستئجار قدرات كهربائية لمدة 15 عامًا، في أول انتقال رسمي لها من شركة تعدين بيتكوين منخفضة الانبعاثات الكربونية إلى مزود للطاقة لصناعة مراكز البيانات، التي تُقدر قيمتها بنحو 5 تريليونات دولار وتعاني نقصًا في مصادر الكهرباء منخفضة التكلفة.
وقال مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Bitzero Holdings، محمد بخشوين، إن الارتفاع المستمر في أسعار الكهرباء داخل الولايات المتحدة، مدفوعًا بالنمو الكبير في تعدين بيتكوين والتوسع السريع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، منح شركات تعدين العملات المشفرة ميزة تنافسية لأنها نجحت في تأمين مصادر الكهرباء قبل اشتداد المنافسة.
وأضاف أن تعدين العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي يعتمدان على البنية التحتية نفسها، بما في ذلك الكهرباء الموثوقة، وأنظمة التبريد المتقدمة، ومراكز البيانات الصناعية.
وأشار إلى أن الشركة أمضت 4 أعوام في تأمين الأراضي، وتصاريح التشغيل، وربط الشبكات الكهربائية، وهو ما يمنحها مرونة في توجيه القدرة الكهربائية بين تعدين بيتكوين أو تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وفقًا للعائد الاقتصادي.
ويرى أوليري أن قيمة Bitzero لا تكمن في نشاط تعدين بيتكوين، بل في امتلاكها أصولًا استراتيجية تشمل الأراضي، والطاقة منخفضة التكلفة، والتصاريح، وربط الشبكات الكهربائية، معتبرًا أن هذه الأصول سترتفع قيمتها بصورة كبيرة مع استمرار توسع صناعة الذكاء الاصطناعي، في وقت تتحول فيه المنافسة من امتلاك الرقائق الإلكترونية إلى امتلاك مصادر الطاقة القادرة على تشغيلها.
نموذج العمل
ويستند نموذج أعمال الشركة إلى تحقيق مصدرين للإيرادات من القدرة الكهربائية نفسها، إذ تحقق عوائد من تعدين بيتكوين في الوقت الحالي، ثم تؤجر القدرة الكهربائية والبنية التحتية لمشغلي الذكاء الاصطناعي عند ارتفاع الطلب، بينما يتحمل المستأجر تكلفة استهلاك الكهرباء.
وفي فنلندا، أنهت شركة Bitzero خلال الشهر الجاري أعمال الفحص الهندسي لمشروعها في Kokemäki بقدرة تصل إلى 520 ميغاواط، مع استهداف الوصول إلى 1 غيغاواط عند اكتمال المشروع. ومن المقرر تشغيل المرحلة الأولى بقدرة 80 ميغاواط خلال النصف الأول من 2027، على أن تتبعها مراحل إضافية تتراوح بين 400 و800 ميغاواط.
أما في النرويج، فتدير الشركة بالفعل منصة صناعية متكاملة لتعدين بيتكوين بتكلفة كهرباء تقل عن 4 سنتات لكل كيلوواط/ساعة، مع خطط لإضافة 70 ميغاواط جديدة خلال الربع الرابع من 2026 ضمن مشروع توسعة بإجمالي 325 ميغاواط.
وشهد 5 مايو/أيار توقيع خطاب نوايا ملزم بين Bitzero وشركة OneQode Networks لتأجير كامل قدرة موقع الشركة في Namsskogan بالنرويج، والبالغة 110 ميغاواط، لمدة 15 عامًا لتشغيل أحمال الذكاء الاصطناعي المعتمدة على وحدات معالجة الرسومات GPU.
وتبلغ القيمة الضمنية للعقد نحو 2.6 مليار دولار طوال مدة الإيجار، بما يمثل الدخول الرسمي للشركة إلى سوق البنية التحتية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وتتوقع إدارة الشركة أن يحقق الموقع إيرادات سنوية تتراوح بين 176 مليون دولار و178 مليون دولار عند التشغيل الكامل لقدرة 110 ميغاواط، فيما قدر تحليل للمساهمين صافي الدخل التشغيلي السنوي بنحو 151 مليون دولار استنادًا إلى هامش ربح يبلغ 85%.
وتعكس خطط الإنفاق الرأسمالي لكبرى شركات التكنولوجيا حجم هذا التحول؛ إذ تتوقع أمازون إنفاق 200 مليار دولار خلال عام 2026، يذهب معظمها إلى مراكز البيانات، فيما يُتوقع أن يبلغ إنفاق مايكروسوفت نحو 190 مليار دولار، وألفابت المالكة لغوغل نحو 190 مليار دولار، بينما أعلنت ميتا خطة لاستثمار 600 مليار دولار في البنية التحتية داخل الولايات المتحدة حتى عام 2028.
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الإنفاق الرأسمالي لكل من أمازون ومايكروسوفت وألفابت وميتا قد يصل إلى 725 مليار دولار خلال عام 2026، مدفوعًا بالاستثمارات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والبنية التحتية طويلة الأجل. كما تتوقع شركة ماكنزي ضخ 5.2 تريليون دولار إضافية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال العقد الحالي.
العقبة الأساسية
ويؤكد محللون أن العقبة الرئيسية لم تعد تتمثل في الرقائق الإلكترونية، وإنما في القدرة على تأمين الكهرباء.
وتشير التقديرات إلى أن نصف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي يجري الإعلان عنها حاليًا قد لا ترى النور بسبب عدم توافر الطاقة في الوقت المناسب، فيما يتم سحب أكثر من 70% من طلبات الربط بشبكات الكهرباء قبل تنفيذها، ولا يصل إلى مرحلة التشغيل سوى جزء محدود منها.
ويرى خبراء أن المشكلة الأساسية تكمن في بطء تطوير شبكات الكهرباء، إذ يستغرق إنشاء مصدر طاقة كبير قادر على خدمة مركز بيانات ما يصل إلى 7 سنوات، في حين يتسارع الإعلان عن مشروعات الذكاء الاصطناعي بوتيرة تفوق قدرة الشبكات على مواكبتها.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن ينمو استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بمعدل يعادل 4 أضعاف معدل نمو الطلب على الكهرباء في جميع القطاعات الأخرى مجتمعة، مع وصول الطلب إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، بينما تتوقع Goldman Sachs ارتفاع الطلب على الكهرباء في مراكز البيانات بنسبة 175% بحلول 2030 مقارنة بمستويات 2023.
وتشير التقديرات إلى أن العالم سيحتاج إلى استثمارات تبلغ 6.7 تريليون دولار بحلول 2030، تشمل 5.2 تريليون دولار للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي وحدها، في حين لا تتجاوز الاستثمارات المتوقعة في شبكات الكهرباء حاليًا 720 مليار دولار، ما يبرز فجوة كبيرة بين الطلب المتوقع وقدرات الإمداد.