فن

"حرب كرموز" يعيد الاعتبار لأفلام الحركة والشرطة المصرية

الأحد 2018.7.1 10:57 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 708قراءة
  • 0 تعليق
مشهد من فيلم "حرب كرموز"

مشهد من فيلم "حرب كرموز"

"حرب كرموز" هو مفاجأة السينما المصرية خلال السنوات الأخيرة بكل المقاييس ليس لأنه يقدم فقط عملا مبهرا يحاكي الأفلام الأمريكية التجارية  مع صياغة ذلك في قالب محلي ووطني شديد المهارة والإقناع، وإنما لأنه يكشف عن مخرج يمتلك ناصية مهنته بصورة واضحة ويبشر بالكثير من الموهبة والتجديد هو بيتر ميمي. 


يحاكي الفيلم أسلوب وشكل أفلام شهيرة ملحمية معروفة مثل (قلب شجاع) لميل جيبسون و(عمر المختار) لأنتوني كوين والكثير من أفلام رعاة البقر الأمريكية مع خليط من فكرة البطل الشعبي المصري مثل أدهم الشرقاوي والأبطال الخارقين المعاصرين، ويصهر كل ذلك في قالب حدوته مصرية تستلهم بدورها بطولات الشرطة المصرية بالإسماعيلية ضد قوات الجنرال «إكسهام» أثناء الاحتلال البريطاني لمصر في 25 يناير 1952، وإن كان ينقل الأحداث للإسكندرية مع منح الخيال أقصى الحدود ليتم تجاوز التاريخ إلى ملحمة فنية إنسانية شاملة تجعل الضابط (يوسف المصري) نموذجا رائعا للوطنية والشجاعة؛ بينما يتحول الجميع حتى المساجين وعضو البرلمان الفاسد إلي شرفاء ووطنيين في اللحظات الفاصلة لتجسيد مقولة الشرطة والشعب إيد واحدة، ولتأكيد الوحدة الوطنية بشعارات (يحيا الهلال مع الصليب) التي نتابعها فوق الجدران عندما يصبح العدو خارجيا .


بطل الفيلم هو الضابط أو البكباشي يوسف المصري (أمير كرارة)، الذي يرفض أن يسلم شابين مصريين، قاما بقتل اثنين من الجنود الإنجليز اغتصبا فتاة مصرية، بل إنه يعتقل الضابط البريطاني الذي تجاوز في الحوار معه إثناء ضغوطه لإطلاق سراح زملائه، دفاعا عن شرف البوليس والوطن في مواجهة المغتصب الإنجليزي على المستويين المباشر والرمزي، والوطني والشخصي، ليتضح أيضا أن الضابط المعتقل هو ابن شقيق القنصل الإنجليزي الذي يمثل الحاكم العسكري بالإسكندرية .


ومع إصرار مأمور القسم (أمير كرارة)  على عدم تسليم المغتصبين أو الشابين المصريين اللذين دافعا عن شرف الفتاة المغتصبة، رغم ضغوط عضو البرلمان المصري (بيومي فؤاد) في التدخل لحماية مصالحه، تبدأ القوات البريطانية بمحاصرة قسم كرموز ، بينما يشحذ الضابط المصري همم جنوده الذين يقررون في صوت واحد (كلنا معاك) ليتم تسليحهم استعدادا للمواجهة لتبدأ الحرب فعليا والذي يستدعي خلالها المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو والحوار تصاعدا دراميا كل عدة دقائق ليحبس الأنفاس ويجعل المتفرج في حالة ترقب طول الوقت.


علي جانب آخر، يبدأ الضابط في إخراج المساجين الذين لا ذنب لهم في هذه المعركة معتبرا أنها بداية فرصة جديدة لحياة طاهرة لهم بينما يصر على بقاء بعض الرموز مثل اللص (عصفورة) الذي يجيد القفز، ويقرر أنه ليس أقل وطنية من الضابط، وكذلك (زوبة) العاهرة، بالإضافة للبكباشي السابق (عزت الوحش) الذي تم تسريحه زمن حرب العلمين لأنه كان لا ينفذ الأوامر في حرب يرى أن الوطن لا ناقة له فيها ولاجمل فانضم للفدائيين ، حيث يصبح هؤلاء ترسا في الحرب العادلة التي تدور، وعلى رأسهم عصفورة الذي يقفز من فوق الأسطح لإنفاذ شقيقتي الضابط اللتين يسعى القنصل الإنجليزي اختطافهما للضغط علي يوسف المصري، حيث ينجح عصفورة في تهريبهما والعودة للقسم ليواجه الموت شنقا أثناء مساعدة يوسف المصري الذي يقرر بدوره أن يفتديه ويسلم نفسه للمشنقة مكانه .


في هذا المقطع تحديدا (مشهد المشنقة) يستدعي المخرج أكثر من مشهد كلاسيكي في ذاكرة السينما العالمية والمصرية مثل شنق (عمر المختار) ومشهد (حادثة دنشواي) ومشهد شنق ميل جيبسون في فيلم (قلب شجاع)، بما في ذلك شحذ الجموع وتصاعد الصراخ والموسيقي في كريشندو متدفق بإحكام وروعة، بل إننا نسمع من يوسف المصري جملة تقترب كثيرا من جملة المختار قبل أن يُشنق حين يقول (إذا كانت حياتي وجعتكم فموتي هيوجعكم أكتر) في إشارة لخلود أفكاره وموقفه الوطني الشجاع والثورة التي يمكن أن تنفجر بعده ضد المحتل، وهو ما يستكمله المخرج بمشهد دخول جموع المدنيين للكادر بعد إنقاذ يوسف من حبل المشنقة برصاصة من (عزت الوحش) لتبدأ واحدة من أفضل المعارك إخراجا على الشاشة في تاريخ السينما المصرية .

في هذا الفاصل المتميز يقدم لنا المخرج الاشتباكات بالأيدي والأقدام، بالأسلحة البيضاء، والبنادق، والمتفجرات، ناهيك عن مطاردة السيارات والدبابات، ليتحول الفيلم إلي معركة لا تتوقف طول الوقت تتصاعد بخروج سجين إنجليزي مجنون يكره المصريين ويتمنى قتلهم جميعا ويلعبه النجم الإنجليزي (سكوت آدكنز ) الشهير بـ”بويكا)" حيث يطير في الهواء ويطيح بكل من أمامه حتى يواجه يوسف المصري الذي ينتصر في نهايتها بعد صعوبة شديدة كادت تفتك به.


ومن أفضل مشاهد الفيلم على المستوى النفسي والاجتماعي مشهد استدعاء الدين والدعاء والتطهر، حيث يلجأ الجميع عند الأزمات إلى قول (يارب) بصورة جماعية فينزل المطر ، وتتحول دفة المعركة لصالح المصريين بعد سقوط العدو في الوحل .


كذلك مفاجأة قوات (حمزة الهواري) المصرية التي تأتي بناء على استدعاء الحاكم العسكري ليضرب المصريين بعضهم البعض، فإذا بها تضرب الجنود البريطانيين، وبناء شخصية عصفور النبيل الذي يبدو أكثر وطنية من الجميع مع أنه في الأصل لصا، كذلك إشاعة الروح الكوميدية في جنبات الفيلم للتخفيف من التوتر الممنهج فنيا، خصوصا لزمة (محمود حميدة) وتعليقات (مصطفي خاطر) الذي منحته شخصية عصفورة بطولة جديدة وجانبا إنسانيا صنع له شعبية كبيرة مع هذا الفيلم.


(أمير كراره) بطل الفيلم يشبه في شخصية (يوسف المصري) شخصية (سليم الأنصاري) في مسلسل "كلبش" الذي حقق بجزئيه نجاحا كبيرا، فهو استثمار جيد للشخصية مع منحها إبعادا أكثر إنسانية وملحمية، بما يجعل من هذا الممثل هو نجم الأكشن الشعبي المدافع عن الغلابة والشرف خلال الفترة المقبلة، وهو ما يذكرنا بفريد شوقي طوال فترة ما أطلق عليها (سينما الترسو) حيث يستدعي ظهوره وبطولاته الخارقة على الشاشة التصفيق من وقت لآخر.


في هذا الفيلم أيضا يتميز أداء بيومي فؤاد في شخصية عضو البرلمان المتطهر، والنجم المتجدد محمود حميدة في شخصية (عزت الوحش)، كذلك غادة عبد الرازق ومحمود حجازي والنجم اللبناني فؤاد شرف الدين الذي لعب القائد العسكري البريطاني، بينما لم يمنح السيناريو الفرصة لإيمان العاصي وروجينا في دوري الشقيقتين للضابط، حيث كانتا مسطحتين إلى حد كبير، بينما يمنح ضيفي الشرف أحمد السقا وفتحي عبد الوهاب مذاقا إضافيا مميزا لدورهما.

الموسيقى في هذا الفيلم لا تقل عالمية عن موسيقى هذا النوع من الأفلام، حيث تجسد وترفع من تأثير الحركة الهادرة التي لا تتوقف على الشاشة "خالد داغر" بينما تكرس قطعات المونتاج المتوازي "باهر رشيد" التدفق والإثارة دون ملل خصوصا في المعارك المتتالية، كذلك الديكور المعبر عن الفترة التاريخية والملابس، والتصوير "حسين عسر" الذي مزج بين التاريخية والتأثير الدرامي المعاصر بالإضاءة والزوايا المعبرة.


 أخيرا فإن (حرب كرموز) يستحق فعلا أن يحقق أعلى الإيرادات في أفلام العيد بل وفي تاريخ السينما ذاته، فهو عمل فني متقن يثبت أن مخرجه (بيتر ميمي) ليس ماهرا فقط في تمصير واقتباس الحركة والأفكار؛ ولكنه مجدد في نفس الوقت بطعم محلي استوعب مجتمعه وعرف كيف يعبر عنه بلغة الفن السابع، وتنتظر منه السينما المصرية الكثير خلال الفترة المقبلة.




تعليقات