«قنبلة موقوتة».. غراهام بلاتنر يقلب سباق «الشيوخ» إلى كابوس ديمقراطي
في واحد من أهم سباقات مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، يواجه الحزب الديمقراطي أزمة سياسية، بعدما تحول مرشحه في ولاية مين من ورقة رابحة إلى عبء يهدد حظوظه في الاقتراع المقبل.
فبعد سلسلة من الفضائح والاتهامات التي هزت حملته الانتخابية، بات غراهام بلاتنر أشبه بـ«قنبلة موقوتة» تسير على قدمين، حتى قبل اتهامه رسميًا هذا الأسبوع بالاغتصاب، وهو الاتهام الذي نفاه، بحسب موقع «أكسيوس» الأمريكي.
فوشم يحمل رموزًا نازية، ومنشورات مثيرة للجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، وشائعات متداولة بشأن علاقاته بالنساء؛ كلها أمور دفعت كثيرًا من قيادات الحزب الديمقراطي، بعيدًا عن الأضواء، إلى الاعتقاد بأن الديمقراطي عن ولاية مين، والمرشح الحالي للحزب لانتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي، قد يتحول إلى عبء سياسي.
«لكنهم استسلموا للتبرير حتى فات الأوان، ليجد الحزب نفسه اليوم أمام خيارات محدودة، إن لم تكن معدومة، في واحدة من أهم سباقات مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة»، بحسب الموقع الأمريكي.
وتكمن أهمية القضية في أن صعود بلاتنر وسقوطه يكشفان إحدى الطرق التي غيّر بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طبيعة السياسة داخل الحزب الديمقراطي، يقول أكسيوس، مشيرًا إلى أنه إذا كان تقليص نفوذ ترامب يتطلب ذلك، فإن الديمقراطيين باتوا مستعدين للتخلي عن بعض القيم التي يعلنون الدفاع عنها، أو على الأقل تجاهلها مؤقتًا.
ويرى مراقبون أن هناك أوجه شبه مع انتخابات عام 2024، عندما سار الديمقراطيون نحو كارثة سياسية، بعدما دافعوا علنًا عن أهلية جو بايدن للرئاسة رغم شكوكهم الخاصة بشأن قدرته على الاستمرار.
اتهامات لفريق الحملة
يلقي كثير من الديمقراطيين باللوم على فريق بلاتنر، ولا سيما مستشاريه السياسيين في شركة «فايت» للاستشارات الإعلامية، بسبب عدم الكشف عن حجم الأعباء التي يحملها ماضيه، أو عدم السعي للتحقق منها، في الوقت الذي استمرت فيه الشركة في جني الأموال من حملته طوال العام الماضي.
ومع إطلاق حملة بلاتنر في أواخر أغسطس/آب 2025، طرح مسؤولون ديمقراطيون بارزون في واشنطن على ممثلي الشركة أسئلة بشأن الشائعات المتداولة حول ملفات قد تتحول إلى نقاط ضعف سياسية، بما في ذلك مزاعم تتعلق بعلاقاته السابقة مع نساء.
وكانت الشركة، التي ساعدت الاشتراكي الديمقراطي زهران ممداني في الفوز بالانتخابات التمهيدية الديمقراطية لرئاسة بلدية نيويورك، قد أكدت أن كل شيء تحت السيطرة، وأن جزءًا من جاذبية بلاتنر يتمثل في تجاوزه أخطاء الماضي، وفقًا لشخص مطلع على تلك المحادثات.
لكن بعد أشهر قليلة، ومع بدء انتشار بعض منشوراته القديمة المثيرة للجدل، قال مصدر مطلع على كواليس الحملة إن الشركة كانت على علم بشائعات بأنه كان يتصرف بطريقة «مريبة» مع النساء. وأضاف المصدر أن بلاتنر نفى تلك المزاعم أمام فريق حملته آنذاك.
ولا يزال حجم الأموال التي حصلت عليها شركة «فايت» للاستشارات أو جهات أخرى من الحملة غير واضح، إلا أن حملة بلاتنر أنفقت حتى 20 مايو/أيار أكثر من 14 مليون دولار، ذهب جزء كبير منها إلى شركات ذات مسؤولية محدودة لا تتوافر عنها معلومات علنية كافية.
وقال متحدث باسم الشركة لموقع «أكسيوس»: «نحن شركة إعلامية، نصنع الإعلانات. وبالنسبة لحملة بلاتنر، أنتجنا فيديو الإطلاق وأكثر من 40 إعلانًا».
وأضاف: «كانت الشائعات تحيط بالحملة منذ بدايتها، وتعاملنا معها بجدية. ولم نسمع أي مزاعم تتجاوز المنشورات الإشكالية والخيانة الزوجية إلا عندما تواصلت معنا صحيفة نيويورك تايمز».
وأوضح أن أول مرة سمعت فيها الشركة اتهامًا محددًا يتعلق بسلوك جنسي غير قائم على التراضي كانت قبل أيام فقط من نشر تقرير لصحيفة «بوليتيكو».
صورة مصنوعة بعناية
وتشير الوقائع إلى أن التشققات في الصورة التي رُسمت بعناية لبلاتنر كانت واضحة منذ البداية، لو أن الديمقراطيين أرادوا رؤيتها، ولا سيما التيار التقدمي الذي اعتبره وريثًا محتملًا لسيناتور ولاية فيرمونت بيرني ساندرز، ورمزًا قادرًا على مواجهة المؤسسة التقليدية داخل الحزب.
فمنذ فيديو إطلاق حملته في أغسطس/آب الماضي، قدم بلاتنر نفسه على أنه «مزارع محار»، وهو الوصف الذي رددته وسائل إعلام عديدة، بينها «أكسيوس» في بعض الأحيان، من دون تدقيق.
لكن بلاتنر كان قد أقر منذ أغسطس/آب بأنه لا يحقق دخلًا يذكر من بيع المحار، وأن هذه ليست مهنته الأساسية. كما قدم نفسه باعتباره «ابن الطبقة العاملة في ولاية مين»، واشترى منزله بفضل المزايا التي حصل عليها كمحارب قديم.
وكتب في سبتمبر/أيلول 2025: «اشتريت منزلي عام 2017، ولو لم أشتره حينها، ولو لم أحصل على دعم وزارة شؤون المحاربين القدامى، لما استطعت أنا وزوجتي تحمل تكاليف العيش في المدينة التي نشأت فيها، مثل ملايين الأمريكيين الذين أجبروا على مغادرة مدنهم». لكن الحقيقة أن والده، وهو محامٍ، أقرضه 200 ألف دولار لشراء المنزل.
كما صرح في خريف العام الماضي بأنه «لم يكن يومًا قريبًا من المال أو السلطة، رغم أنه درس لفترة وجيزة في مدرسة مرموقة بولاية كونيتيكت، قبل انتقاله إلى مدرسة خاصة أخرى في ولاية مين.
سلسلة فضائح
ومع مرور الوقت، بدأت الفضائح تتوالى، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، كشفت شبكة «سي إن إن»، عن منشورات نشرها عامي 2020 و2021 هاجم فيها الشرطة وسخر من البيض في المناطق الريفية، كما عثرت على منشور يعود إلى عام 2013 قلل فيه من شأن المخاوف المتعلقة بالاعتداءات الجنسية. وبعد أيام، كُشف عن امتلاكه وشمًا مرتبطًا برموز نازية.
واستمرت الشائعات بشأن فضائح جديدة، فيما غادر عدد من العاملين حملته. ورغم اكتساحه حاكمة ولاية مين جانيت ميلز في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ، لم تتوقف الاكتشافات المحرجة.
ففي مايو/أيار الماضي، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، أنه أرسل رسائل نصية ذات طبيعة جنسية إلى أشخاص خارج إطار زواجه.
كما كشفت الصحيفة عن أنه كان يمتلك حسابًا نشطًا على تطبيق المراسلة الخاص Kik، مستخدمًا صورة شخصية يظهر فيها عاري الصدر ولا يلف سوى منشفة حول خصره.
وفي يونيو/حزيران، نشرت «نيويورك تايمز» مقابلة مع امرأة قالت إنها كانت على علاقة به، واتهمته بممارسة سلوك ينطوي على تهديد جسدي، وهي مزاعم نفاها.
وخلال كل تلك الأزمات، حاول بلاتنر تقديم نفسه باعتباره شخصًا تغير بعد معاناته من اضطراب ما بعد الصدمة والإدمان على الكحول في منتصف العقد الماضي، عقب خدمته العسكرية.
وطالب الناخبين بألا يحكموا عليه من خلال أسوأ منشوراته وتصرفاته التي تعود إلى أكثر من عشر سنوات.
وقال متحدث باسم حملته لـ«أكسيوس»، إن وصف بلاتنر بأنه «قنبلة موقوتة هو توصيف تحريري وليس حقيقة».
وأضاف أن هذا الوصف «يتجاهل واقع الحملة، إذ شارك مئات من سكان ولاية مين في لقاءاته الجماهيرية، وانضم أكثر من 15 ألف متطوع إلى الحركة، وسجلت الانتخابات التمهيدية نسبة مشاركة قياسية مقارنة بأي انتخابات تمهيدية في تاريخ الولاية».
دور الإعلام
واستفاد بلاتنر وحملته أيضًا من صعود الإعلام التقدمي والإعلام الحزبي والمؤثرين على المنصات الرقمية، لتعزيز حضوره وصياغة روايته مع قدر محدود من التدقيق.
وساعدته مقابلات وتقارير إيجابية مبكرة في صحف ومجلات مثل نيويورك تايمز وذا نيو ريببلك وذا نيشن ونيويورك في ترسيخ صورته لدى الرأي العام.
وعندما بدأت التقارير تكشف عن منشوراته القديمة على منصة «ريديت»، والوشم المرتبط بالنازية، وغيرها من الفضائح، لجأ مرارًا إلى منصات إعلامية تقدمية للدفاع عن نفسه.
وأكد متحدث حملته أن «غراهام أتاح نفسه للصحفيين طوال الحملة، وأجاب عن الأسئلة الصعبة التي طرحتها وسائل الإعلام المحلية والوطنية».
«أخطاء» المؤسسة الديمقراطية
في المقابل، يرى التقرير أن المؤسسة الديمقراطية أخطأت في إدارة السباق الانتخابي منذ بدايته، فقد دعم زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، حاكمة ولاية مين آنذاك جانيت ميلز، البالغة من العمر 77 عامًا، رغم تزايد غضب الناخبين الديمقراطيين من الوضع القائم وتوجسهم من استمرار السياسيين الكبار في السلطة.
ثم فقدت المؤسسة ثقتها في ميلز سريعًا، بعدما اعتبرت حملتها ضعيفة، لكنها لم تقدم بديلًا قبل أن تعلن تعليق حملتها هذا الربيع.
وبعدما أصبح بلاتنر المرشح المرجح للحزب، في ظل موجة انتصارات حققها المرشحون التقدميون في الانتخابات التمهيدية، أعلن شومر تأييده له. إلا أن شومر، ومعه عدد من كبار الديمقراطيين الذين سبق أن دعموه، سحبوا تأييدهم هذا الأسبوع.