بين «تحول مُدار» و«انهيار كارثي».. خطة ترامب لتغيير مسار إيران
للمرة الرابعة خلال ولايتيه، يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام اختبار حاسم في التعامل مع إيران.
اختبار لا يتعلق فقط بالقوة العسكرية أو العقوبات الاقتصادية، بل بامتلاك رؤية متماسكة تمنع الانزلاق إلى الفوضى، وتستثمر لحظة تاريخية نادرة يبدو فيها النظام الإيراني أضعف من أي وقت مضى منذ عام 1979. فهل ينجح ترامب في تحويل هذا الضعف إلى تغيير مُدار، أم يكتفي بتسريع مسار الانهيار غير المحسوب؟
ووفق تحليل لـ«فورين أفيرز»، فإنه رغم الأخطاء المتراكمة والقرارات المتناقضة التي طبعت نهج دونالد ترامب تجاه إيران، لا تزال الفرصة قائمة أمام إدارته لاستثمار اللحظة الراهنة في تحقيق أهداف أمريكية لطالما بدت بعيدة المنال.
فإيران تواجه اليوم مزيجًا غير مسبوق من الضعف العسكري، والضغط الاقتصادي، والتآكل الداخلي، ما يجعل احتمال التراجع التدريجي للنظام – أو حتى انهياره – أكثر واقعية من أي وقت مضى منذ الثورة الإيرانية.
اختبار الاستراتيجية بعد الارتجال
غير أن هذا الاحتمال الإيجابي يجاوره خطر موازٍ لا يقل جسامة، فالفوضى، والعنف الواسع، وتحول إيران إلى ساحة صراع مفتوح، يحمل تداعيات إقليمية مباشرة على إسرائيل والمنطقة، وعلى المصالح الأمريكية نفسها. وهنا، يتوقف الفارق بين «تحول مُدار» و«انهيار كارثي» على قدرة واشنطن على تجاوز سياسة ردود الفعل، واعتماد مقاربة منضبطة تجمع بين الضغط والاحتواء وضبط النفس.
الخطوة الأولى في هذا المسار، وفق منطق التحليل، يجب أن تكون ضبط النفس العسكري. فتنفيذ تهديدات بضرب إيران ردًا على «العنف مع المتظاهرين»، بعد أسابيع من العنف، لن يكون خطوة استراتيجية بقدر ما سيكون استجابة سياسية داخلية لمنتقدي الإدارة.
والأهم، أن أحدًا – بما في ذلك ترامب نفسه – لا يملك تصورًا دقيقًا لتأثير مثل هذه الضربات على توازن القوى داخل إيران، فهل ستُسرّع الانشقاقات داخل أجهزة النظام؟ أم ستمنح السلطة ذريعة لتصعيد القمع والدفع بالبلاد نحو سيناريو شبيه بسوريا؟
فالضربات غير الحاسمة ضد نظام جريح، بات أكثر استعدادًا لاستخدام أقصى درجات العنف، قد تُعيد إنتاج نموذج الانزلاق التدريجي إلى الحرب الأهلية، وهو السيناريو الأسوأ للولايات المتحدة والمنطقة على حد سواء.
الضغط بدل الاندفاع
غير أن ضبط النفس لا يعني الانسحاب أو التراخي، فعلى العكس، يشير التحليل إلى أن واشنطن مطالبة اليوم بتكثيف الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على النظام الإيراني، وتسريع عزله دوليًا.
ويعكس قرار الاتحاد الأوروبي إدراج الحرس الثوري الإيراني منظمةً إرهابية، بعد سنوات من التردد، تحوّلًا نوعيًا في المزاج الغربي، ويمكن أن يشكل قاعدة لتحرك أوسع تقوده الولايات المتحدة.
ووفق فورين أفيرز، فقد أجهض التعامل العنيف مع الاحتجاجات أي أمل متبقٍ في الإصلاح التدريجي من داخل النظام. فالمسار الذي بدا ممكنًا قبل عقد، مع توقيع الاتفاق النووي عام 2015، تلاشى عمليًا بعد انسحاب إدارة ترامب الأولى، وسنوات من التصعيد، ثم لجوء إلى العنف كأداة حكم. وبهذا المعنى، لم تعد إيران شريكًا محتملاً للإصلاح، بل نظامًا يتجه – ببطء أو بسرعة – نحو نهايته، وفق التحليل.
وفي هذا السياق، تبدو سياسة الاحتواء والضغط المتدرج أكثر عقلانية بكثير من سياسة الارتجال التي طبعت العام الماضي، وأقل كلفة إنسانية وإقليمية من المواجهة العسكرية المباشرة.
نافذة دبلوماسية ضيقة لكنها ضرورية
ورغم ضيق هامش الدبلوماسية، يرى التحليل أن تجاهله بالكامل سيكون خطأً استراتيجيًا. فإذا كان هناك مجال لتفاهم محدود مع طهران، فعلى ترامب استثماره بواقعية لا بأوهام «الصفقة الكبرى».
المطلوب ليس إعادة إحياء اتفاق شامل، بل تفاهم تقني ضيق يربط الامتناع عن مزيد من الضربات بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يعيد حدًا أدنى من الشفافية حول البرنامج النووي الإيراني.
فبعد ضربات يونيو/حزيران، وما تلاها من قطع التعاون مع الوكالة الدولية، أصبح الغموض النووي أخطر من التقدم النووي نفسه. وإعادة الحد الأدنى من الرقابة تخدم المصالح الأمريكية حتى في غياب اتفاق سياسي أوسع.
دعم المعارضة.. دون صناعة وكلاء
في موازاة ذلك، يشدد التحليل على أن دعم المعارضة الإيرانية يجب أن يتم بحذر شديد. فالخطأ الأكبر الذي يمكن أن ترتكبه واشنطن هو السعي إلى صناعة بديل سياسي موالٍ أو فرض قيادة بعينها من الخارج. الهدف، وفق هذا المنطق، ليس حكومة مطواعة، بل سلطة إيرانية مستقبلية تُغيّر سلوك طهران الخارجي وتحترم حقوق مواطنيها.
وهذا يقتضي تشجيع وحدة الصف داخل المعارضة، وترك مساحات للانشقاقات والإصلاحات من داخل النظام، خصوصًا في مرحلة ما بعد علي خامنئي، بدل الرهان على انهيار مفاجئ قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية دامية.
كبح إسرائيل.. وتثبيت الاستقرار الإقليمي
إقليميًا، لا يقل الدور الأمريكي أهمية. فترامب، الذي يتمتع بنفوذ واسع داخل إسرائيل، قادر على كبح اندفاع بنيامين نتنياهو نحو ضربات جديدة، مقابل التزام أمريكي واضح بتعزيز القدرات الدفاعية الإسرائيلية، خصوصًا في مجال الدفاع الصاروخي.
وفي الوقت ذاته، ينبغي على واشنطن العمل مع إسرائيل ودول الخليج على إنشاء قنوات اتصال موثوقة مع طهران، لتفادي سوء التقدير الذي كاد يشعل مواجهة جديدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ولم يُحتوَ إلا عبر وساطات خلفية.
فرصة نادرة بشروط صارمة
في المحصلة، يرى التحليل أن استراتيجية الاحتواء والضغط المنضبط، المدعومة بضبط نفس عسكري ودبلوماسية محدودة ودعم حذر للمعارضة، تمثل الخيار الأكثر واقعية لتجنب العنف الجماعي وتحقيق انتقال مُدار في إيران.
وإذا تمكن ترامب من الانتقال من الارتجال إلى التخطيط، فقد ينجح فعلًا في تحويل أضعف لحظة للنظام الإيراني إلى نقطة تحوّل تاريخية.
وحينها فقط، قد يصبح اللقب الذي أطلقه على نفسه – «صانع السلام الأول» – أكثر من مجرد شعار انتخابي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTMg جزيرة ام اند امز