غرينلاند تشعل القارة العجوز.. هل تجرؤ أوروبا على الرد؟
دفعت تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عقوبات تجارية قاسية على الدول الأوروبية التي ترفض مطالبه بشأن غرينلاند، العلاقات عبر الأطلسي إلى مستوى من التوتر غير مسبوق منذ عقود.
فبعد عام كامل من محاولات القادة الأوروبيين استرضاء ترامب عبر عدة طرق منها التملق السياسي، وعقد الصفقات التجارية، والتعهد بشراء الأسلحة الأمريكية، وتنظيم زيارات بروتوكولية رفيعة المستوى شملت أفرادًا من العائلات المالكة، بدا أن إصرار ترامب على السيطرة على الإقليم القطبي الشاسع يشكّل نقطة الانكسار، بحسب صحيفة الواشنطن بوست.
ففي بروكسل، يعترف مسؤولون أوروبيون بأن نهج المصالحة لم يعد مجديًا. فبينما راهنت العواصم الأوروبية على احتواء ترامب عبر التفاهمات التجارية والتنازلات السياسية، جاء إنذاره الصريح - التخلي عن غرينلاند أو مواجهة حرب تجارية - ليقنع عددًا متزايدًا من القادة بأن الرد الحازم بات الخيار الوحيد.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أكد خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أن أوروبا تمتلك اليوم «أدوات قوية جدًا» وعليها استخدامها عندما لا تُعامل باحترام، مشيرًا إلى عالم «لم تعد تحكمه قواعد واضحة سوى قانون الأقوى».
أما رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، فكان أكثر صراحة، معتبرًا أن أوروبا تجاوزت مرحلة الاسترضاء، ومضيفًا: «أن تكون تابعًا سعيدًا شيء، وأن تكون عبدًا بائسًا شيء آخر».
بالنسبة لكثير من الأوروبيين، لم يكن أسلوب ترامب هو الصادم بقدر ما كان الهدف نفسه، فغرينلاند، التابعة للدنمارك، حليف واشنطن التقليدي في الناتو، أصبحت فجأة محل أطماع علنية من قبل زعيم أقوى دولة في الحلف. وقد أثار ذلك دهشة وغضبًا في العواصم الأوروبية، لا سيما بعد سنوات من تحذير أوروبا من محاولات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تغيير الحدود بالقوة في أوكرانيا.
ومع وصول ترامب إلى دافوس لإجراء محادثات مع قادة العالم، أقر حتى أكثر الأوروبيين تفاؤلًا بأن استراتيجية استرضائه فشلت. وحذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من أن «الحنين إلى الماضي لن يعيد النظام القديم»، داعية إلى بناء «أوروبا جديدة مستقلة». وفي الوقت نفسه، أكدت أن أي رد أوروبي على الرسوم الأمريكية سيكون «حازمًا وموحدًا ومتناسبًا».
وتفاقمت المخاوف الأوروبية مع وصول كيريل ديميترييف، كبير مفاوضي الرئيس الروسي، إلى دافوس لمناقشة خطة محتملة لوقف الحرب في أوكرانيا، وهي خطة تتطلب حدًا أدنى من الثقة بين الحلفاء.
وفي هذا السياق، بدا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وكأنه يصب الزيت على النار، حين لمح إلى أن أيسلندا قد تكون «الهدف التالي» لترامب.
ورغم رغبة القادة الأوروبيين في منع الأزمة من الخروج عن السيطرة، يتزايد داخل القارة خطاب يعتبر اللحظة الراهنة اختبارًا وجوديًا لأوروبا وهو إما أن تُظهر قوتها، أو تُترك فريسة للضغوط.
ويدعو قادة بارزون، بينهم ماكرون ووزير المالية الألماني لارس كلينغبايل، إلى استخدام ما يُعرف بـ«البازوكا التجارية» للاتحاد الأوروبي، وهي أداة تتجاوز الرسوم التقليدية لتستهدف قطاع الخدمات الأمريكي، حيث تسجل الولايات المتحدة فائضًا كبيرًا في تعاملاتها مع أوروبا.
ويؤكد براندو بينيفي، رئيس وفد البرلمان الأوروبي للعلاقات مع الولايات المتحدة، أن إظهار الضعف الآن سيكلف الاتحاد الكثير، مضيفًا أن المصداقية لا تُبنى إلا بإظهار أن للتهديدات ثمنًا اقتصاديًا حقيقيًا.
وتكشف روايات دبلوماسية عن أن محاولات التهدئة لم تلقَ آذانًا صاغية في واشنطن. فبعد رسالة بعث بها رئيس الوزراء النرويجي إلى ترامب لخفض التوتر، جاء الرد صادمًا، إذ ربط ترامب مساعيه لضم غرينلاند بشعوره بالغبن لعدم حصوله على جائزة نوبل للسلام، متسائلًا عن «حق» الدنمارك في امتلاك الإقليم.
ويقر مسؤولون أوروبيون اليوم بأن النهج التصالحي في المفاوضات التجارية استنفد أغراضه. فالاتحاد الأوروبي، الذي يمثل أحد أكبر الاقتصادات العالمية، يمتلك أدوات ضغط مالية وتجارية هائلة، لكنه كثيرًا ما افتقر إلى الإرادة السياسية والوحدة اللازمة لاستخدامها.
ورغم المخاطر الكبيرة لأي مواجهة مع واشنطن - من احتمال وقف دعم أوكرانيا عسكريًا، إلى سحب قوات أمريكية من أوروبا - يرى كثيرون أن عدم الرد سيُفسر على أنه عجز. وقد حذر رافائيل غلوكسمان، عضو البرلمان الأوروبي الفرنسي، من أن التهديد لا يردع إلا إذا كان الطرف الآخر يؤمن بجدّيته، متسائلًا عمّا إذا كانت أوروبا تمتلك بالفعل الإرادة للدفاع عن نفسها.
وتدرس مؤسسات الاتحاد الأوروبي حاليًا إعادة تفعيل حزمة رسوم جمركية معلّقة على سلع أمريكية تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار، فضلًا عن إمكانية استخدام «أداة مكافحة الإكراه» التي أُنشئت عام 2023 لاستهداف شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة العاملة في السوق الأوروبية.
ومع ذلك، لا يزال الانقسام قائمًا بين العواصم الأوروبية حول مستوى التصعيد. فقد خفّض المستشار الألماني فريدريش ميرتس من سقف التوقعات، داعيًا إلى تجنب المواجهة، بينما التزم الأمين العام لحلف الناتو مارك روته الصمت العلني. وحتى حلفاء ترامب الأوروبيون، مثل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وصفوا تصريحاته بشأن غرينلاند بأنها «خطأ»، وإن أقروا بمخاوفه الأمنية في القطب الشمالي.
في غضون ذلك، لا يزال قادة الدنمارك وغرينلاند يبحثون عن مخرج، حيث أكد سكان غرينلاند، أن أرضهم ليست للبيع، فيما اقترحت كوبنهاغن إرسال بعثة لحلف الناتو إلى الإقليم، إلا أن ترامب رفض هذه المبادرات حتى الآن، وأبدى غضبه من المناورات العسكرية التي أجرتها قوات دنماركية وأطلسية مؤخرًا هناك.
وهكذا، تبدو أزمة غرينلاند أكثر من مجرد خلاف جغرافي؛ إنها اختبار حاسم لمستقبل العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، ولقدرة القارة على الدفاع عن سيادتها في عالم يتراجع فيه منطق التحالفات لصالح سياسة القوة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز