واشنطن وتل أبيب.. صدع يتسع في جدار التحالف القديم
بينما يقدم بنيامين نتنياهو نفسه كزعيم قادر بشكل فريد على حماية أمن إسرائيل والتعامل بفاعلية مع دونالد ترامب، يبدو أن الرئيس الأمريكي ينظر إلى مؤهلات رئيس الوزراء بصورة مختلفة تماماً.
فبعد يومين من توقيعه اتفاق سلام مع إيران أظهر استخفافاً صارخاً بالمصالح الأمنية لحليف أمريكا المفترض، قال ترامب يوم الثلاثاء: «لولا وجودي لما كانت هناك إسرائيل»، مضيفًا: «كانت إسرائيل ستُدمَّر منذ زمن طويل لو لم أتدخل».
كان ذلك تصريحاً استثنائياً، ليس فقط لأن ترامب كان في الثانية من عمره تقريباً عندما تأسست إسرائيل عام 1948، بل لأنه أوضح إشارة حتى الآن إلى أن تحالفاً عمره عقود، كان يُعتبر في السابق صلباً كالفولاذ، لم يعد أمراً يمكن اعتباره مضموناً، بحسب صحيفة «التلغراف» البريطانية.
ولقد شهدت العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية أزمات من قبل، مثلما حدث عندما أبرم باراك أوباما اتفاقاً نووياً مع إيران عام 2015، وهو ما وصفه نتنياهو بأنه «خطأ تاريخي».
لكن مرارة اليوم مختلفة، خصوصاً أنها تأتي من رئيس ينتمي إلى اليمين الأمريكي الذي اعتبر دعمه لإسرائيل مسألة شبه مقدسة، تقول الصحيفة البريطانية، مشيرة إلى أنه من اللافت أن هذا التوتر يأتي في نهاية حرب دخلها البلدان معاً وقاتلا فيها جنباً إلى جنب.
والأهم من ذلك أن «أقوى الحليفين أبرم لاحقاً سلاماً منفصلاً مع العدو دون التشاور مع شريكه المفترض في السلاح»، في اتفاق «تجاوز سلسلة من الخطوط الحمراء الإسرائيلية دفعة واحدة، تاركاً إسرائيل في وضع مكشوف وخطير»، بحسب الصحيفة.
وأشارت إلى أن تجاهل ترامب لأهم التزامات الحليف – ألا وهي عدم التخلي عن الصديق – يطرح سؤالاً ملحاً: هل انهارت «العلاقة الخاصة» بينهما؟
أزمة وجودية
على السطح، بدت تصريحات ترامب هذا الأسبوع مدفوعة بالقلق من أن الهجوم الإسرائيلي على حزب الله، المدعوم من إيران في لبنان، قد يهدد «مذكرة التفاهم» ذات النقاط الـ14 التي أبرمها مع طهران.
وقال ترامب: «لقد قُتل عدد كبير من الناس. لا تحتاج إلى هدم مبنى سكني في كل مرة تبحث فيها عن شخص ما، لأن هناك الكثير من الناس في تلك المباني، وليسوا جميعهم من حزب الله».
وأضاف: «كان ينبغي عليهم إنهاء المهمة بسرعة أكبر. الأمر يستمر إلى ما لا نهاية، وعندما يحدث ذلك فإنه يعطي انطباعاً سلبياً عن الصفقة الكبيرة، وهي الصفقة مع إيران».
ويوم الجمعة، أعلن مسؤول أمريكي عن وقف فوري لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، ما كان من المفترض أن يفتح الطريق أمام أمريكا لتجنب حرب مكلفة مع إيران وإنقاذ الاقتصاد العالمي عبر إعادة فتح مضيق هرمز.
لكن في الواقع، فإن غضب الرئيس يتجاوز بكثير مسألة جدوى العمل العسكري في لبنان، إذ إن الخلافات بين البلدين في هذا الشأن حدثت من قبل.
وما يجعل الوضع مختلفاً اليوم ليس فقط أفعال ترامب، بل أيضاً التحول المتزايد في الرأي العام الأمريكي نحو موقف أكثر انتقاداً لإسرائيل، بما في ذلك داخل صفوف الجمهوريين وحتى بين المسيحيين الإنجيليين. وفي الوقت ذاته، بات اليمين الأمريكي أكثر تشككاً في التحالفات الخارجية عموماً، دون استثناء لأي دولة – بما في ذلك إسرائيل، بحسب «التلغراف».
وقال تشاك فرايليخ، الذي شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي في عهد أرييل شارون: «إذا كان هناك شيء واحد أقلق بشأنه حقاً وأعتبره وجودياً، فهو العلاقة مع الولايات المتحدة، لأننا نحتاج إلى أمريكا في كل شيء».
وأضاف: «كنت أعتقد أن العلاقة تتجه نحو أزمة قبل 7 أكتوبر، ثم جاء 7 أكتوبر ليؤجل ذلك مؤقتاً، ثم ضاعف الأزمة بسبب الحرب في غزة. ثم جاء ترامب وأعطانا متنفساً، لكن الآن هذا يحدث».
تآكل الدعم الشعبي
وتشير الأدلة إلى أن الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل تراجع بشكل كبير، حيث أبدى الديمقراطيون غضباً متزايداً بسبب الحرب في غزة، فيما بات بعض الجمهوريين اليمينيين يتساءلون عن جدوى التحالف في إطار «أمريكا أولاً».
وأظهر استطلاع لـ«بيو» في مارس/آذار، أن 60% من الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ37% فقط في 2022.
وتنقسم الآراء بشكل حاد حزبياً: 80% من الديمقراطيين لديهم رأي سلبي، بينما لا يزال غالبية الجمهوريين إيجابيين. لكن الاستطلاع نفسه أظهر أن 57% من الجمهوريين دون سن الخمسين لديهم موقف سلبي أيضاً.
هذه الأرقام تطرح تساؤلات حول «عقيدة نتنياهو» التي راهنت على الجمهوريين والإنجيليين.
وسرّعت حرب غزة هذا الاتجاه، لكن الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي المشترك على إيران، والذي عارضه ثلثا الشعب الأمريكي، عمّق الشرخ.
وقال مسؤولون أمريكيون إن نتنياهو وعد ترامب بأن النظام الإيراني سينهار سريعاً. في المقابل، حمّل مسؤولون إسرائيليون ترامب مسؤولية الفشل.
عمق الشرخ
لكن الصدمة في إسرائيل أعمق لأن ترامب في ولايته الأولى منح نتنياهو مكاسب غير مسبوقة، من الاعتراف بالقدس إلى الانسحاب من الاتفاق النووي. ومع ذلك، فإن ترامب لم يكن مرتاحاً دائماً لنهج نتنياهو.
ومع وصول جو بايدن، بدأت العلاقة بشكل جيد ثم تدهورت مع حرب غزة، حيث وصف بايدن نتنياهو لاحقاً بأوصاف شديدة القسوة بحسب تقارير صحفية.
ورغم أن نتنياهو يظهر كأكثر رؤساء الوزراء «أمركةً»، إلا أنه اصطدم بكل الإدارات الأمريكية.
فمنذ تسعينيات القرن الماضي، اعتبرته واشنطن عقبة أمام السلام. وحتى أوباما، الذي حاول دفع عملية السلام، دخل في خلافات حادة معه، خاصة بشأن إيران. ومع ذلك، بقي التعاون الأمني والعسكري بين البلدين قوياً.
الاستثناء الكبير
لكن حتى لو كان رئيس وزراء آخر في إسرائيل، فإن ترامب كان سيتعرض لضغوط داخل قاعدته اليمينية لتقليل الالتزام بحروب الشرق الأوسط.
وقد قال بعض المحافظين الأمريكيين إن دعم إسرائيل غير مشروط لم يعد مفهوماً.
ويقول تشاك فرايليخ إن صورة إسرائيل في أمريكا تغيرت من «دولة بطولية إلى قوة مهيمنة».
التحول العميق في العلاقة
ويرى خبراء أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد مضموناً كما في السابق. ورغم أن التعاون العسكري والاستخباراتي ما زال قوياً، إلا أن التحولات السياسية والاجتماعية في أمريكا تعيد تشكيل العلاقة.
ويؤكد الخبراء، أن التحالف بين البلدين قد يدخل مرحلة جديدة، حيث لم يعد التوافق الاستراتيجي وحده كافياً، بل يجب وجود رؤية مشتركة للعالم أيضاً.