تراقب السلطات الصحية في الولايات المتحدة بحذر تداعيات قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخفض كمية التطعيمات الإجبارية للأطفال.
وكان ترامب قد أصدر أمراً تنفيذياً يوجّه الوكالات الصحية الفيدرالية إلى مراجعة قائمة اللقاحات الموصى بها للأطفال، وإمكانية تقليصها. ويتوافق الأمر التنفيذي الذي وقّعه الجمعة مع تقييم علمي أصدرته وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية في وقت سابق من هذا العام، والذي كشف أن الولايات المتحدة «توصي بعدد أكبر من لقاحات الأطفال مقارنة بأي دولة مماثلة، وبأكثر من ضعف عدد جرعات اللقاحات الموصى بها في بعض الدول الأوروبية».
واستجابة لذلك، أصدر المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها توصيات محدّثة في يناير/كانون الثاني، خفّض بموجبها عدد التطعيمات الموصى بها للأطفال من 17 إلى 11 لقاحاً، وهي خطوة أثارت انتقادات واسعة من خبراء الصحة والمنظمات المعنية.
وخلص تقييم المركز إلى أن الأطفال الذين يندرجون ضمن الفئات عالية الخطورة فقط هم الذين ينبغي أن يتلقوا التطعيمات ضد الفيروس المخلوي التنفسي (RSV)، والتهاب الكبد الوبائي «أ»، والتهاب الكبد الوبائي «ب»، وحمى الضنك، والمكورات السحائية ACWY، والمكورات السحائية B.
في المقابل، أبقى المركز على توصياته الحالية بشأن 11 مرضاً لدى الأطفال، وهي: الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية، والسعال الديكي، والكزاز، والدفتيريا، والمستدمية النزلية من النوع «ب»، والالتهاب الرئوي، وشلل الأطفال، وفيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، وجدري الماء.
سوق بقيمة 34 مليار دولار
ويحمل القرار أبعاداً تتجاوز الجدل الصحي والعلمي إلى تأثيرات مباشرة على سوق اللقاحات الأمريكية، التي تُعد الأكبر عالمياً من حيث القيمة والإيرادات. فخفض عدد اللقاحات الموصى بها للأطفال إذا ما تم تثبيته واعتماده بشكل كامل، قد يؤدي إلى تقليص الطلب على بعض المنتجات التي تعتمد مبيعاتها بصورة كبيرة على برامج التطعيم الروتينية للأطفال.
ووفقا لموقع "فورتيون بيزنس انسايتس"، فإن قيمة سوق اللقاحات في الولايات المتحدة بلغت 34.37 مليار دولار أمريكي في عام 2022، ومن المتوقع أن ينمو بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.2% حتى عام ٢٠٣٠.
ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، تمنع اللقاحات ما يقدر بنحو 3.5 إلى 5 ملايين حالة وفاة سنوياً نتيجة أمراض مثل الحصبة والإنفلونزا والكزاز وغيرها.
ويُعد تزايد انتشار الأمراض المعدية في الولايات المتحدة أحد العوامل الرئيسية التي ترفع الطلب على اللقاحات الفعالة. علاوة على ذلك، فإن ارتفاع الوعي بين السكان بأهمية التحصين، إلى جانب تنامي جهود الحكومة لزيادة معدلات التطعيم، يسهمان في تعزيز الطلب على اللقاحات، مما يدفع نمو السوق.
السوق العالمي
ويشهد سوق اللقاحات العالمي مرحلة توسع قوية مدفوعة بتغيرات صحية وديموغرافية وتكنولوجية، حيث تشير التقديرات إلى ارتفاع حجمه من نحو 96.2 مليار دولار في عام 2026 إلى ما يقرب من 134.8 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 7%. ويعكس هذا النمو تحولًا في هيكل الطلب العالمي، مع تزايد التركيز على تحصين البالغين وكبار السن، إلى جانب استمرار برامج تطعيم الأطفال.
ووفقًا لتحليل صادر عن Mordor Intelligence، فإن الطلب المتزايد على اللقاحات لا يقتصر على البرامج التقليدية، بل يشمل أيضًا لقاحات حديثة تستهدف أمراضًا مثل الفيروس التنفسي المخلوي (RSV) والهربس النطاقي، ما يفتح مصادر إيرادات جديدة لشركات الأدوية.
ويأتي هذا التوسع في ظل إعادة توظيف البنية التحتية التي تم تطويرها خلال جائحة كورونا، خاصة في مجال تقنيات الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، حيث تسهم هذه المنصات في تسريع إنتاج اللقاحات وخفض تكلفتها، ما يعزز من قدرة الشركات على تلبية الطلب العالمي المتزايد.
على صعيد العرض، يشهد السوق زخمًا ملحوظًا، خاصة مع دخول شركات من الهند والصين، التي أضافت مئات الملايين من الجرعات الجديدة إلى الطاقة الإنتاجية العالمية. كما أن عمليات الاندماج في قطاع التصنيع التعاقدي (CDMO) تسهم في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ما يدفع الشركات الكبرى إلى تعزيز التكامل الرأسي لضمان استقرار الإنتاج.
من ناحية الاستخدام، لا يزال الأطفال يمثلون الشريحة الأكبر من المستفيدين، حيث يشكلون أكثر من نصف الطلب العالمي، إلا أن لقاحات البالغين تشهد أسرع معدلات النمو، مدفوعة بزيادة الوعي الصحي وارتفاع متوسط الأعمار في العديد من الدول.
وتواصل أمريكا الشمالية تصدرها للسوق العالمي بحصة تقارب 40%، بفضل البنية التحتية المتقدمة والإنفاق الصحي المرتفع، في حين تُعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأسرع نموًا، مدفوعة بزيادة الاستثمارات الصحية وتوسع برامج التطعيم في الدول النامية.