بين غرينلاند وجزر «فارو».. صراع النفوذ يتصاعد في شمال الأطلسي
بينما استحوذت أزمة غرينلاند وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشرائها على عناوين الأخبار العالمية، ظلّ إقليم دنماركي آخر أقل صخبًا، لكنه لا يقل أهمية، يراقب المشهد بقلق بالغ: أرخبيل جزر فارو النائي في شمال المحيط الأطلسي.
ووفقا لصحيفة "نيويورك تايمز"، فقد أعادت التصريحات الأمريكية، التي هزّت تماسك مملكة الدنمارك، تسليط الضوء على الموقع الاستراتيجي الحساس لجزر فارو، ودورها المحتمل في صراع النفوذ المتصاعد بين القوى الكبرى، من واشنطن إلى موسكو وبكين.
تقع جزر فارو، التي يبلغ عدد سكانها نحو 55 ألف نسمة، في قلب ممر مائي بالغ الأهمية بين أيسلندا واسكتلندا، على مشارف القطب الشمالي، حيث تتقاطع طرق الغواصات النووية الروسية ودوريات حلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من صغر حجمها، فإن الجزر أصبحت فجأة في بؤرة الحسابات الجيوسياسية، في وقت يشهد فيه النظام الدولي اضطرابًا متزايدًا.
وعلى عكس غرينلاند، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم المالي الدنماركي، بنت جزر فارو اقتصادًا محليًا قويًا منحها هامشًا أوسع من الاستقلالية.
ويعتمد هذا الاقتصاد أساسًا على صادرات سمك السلمون، التي تُقدَّر قيمتها بنحو مليار دولار سنويًا، ما وفّر مستوى معيشة مرتفعًا نسبيًا، ورسّخ لدى السكان شعورًا بالقدرة على الانفصال عن كوبنهاغن.
هذه الطموحات ليست جديدة، إذ تعود جذورها إلى استفتاء عام 1946، حين صوّتت أغلبية ضئيلة لصالح الاستقلال، قبل أن يُجهض القرار بتدخل ملك الدنمارك في ذلك الوقت.
وخلال العقود التالية، ظلّ حلم الاستقلال حاضرًا، لكنه اصطدم في محطات عدة بالواقع الاقتصادي والسياسي. ففي عام 2000، عندما حاولت الجزر التفاوض على السيادة الكاملة، لوّحت الدنمارك بقطع الدعم، ما دفع الفارويين إلى التراجع مؤقتًا. ومع تحسّن الأوضاع الاقتصادية في السنوات الأخيرة، عاد الحديث بقوة عن توسيع الحكم الذاتي، وصولًا إلى الاستقلال.
غير أن تهديدات ترامب بضم غرينلاند قلبت المعادلة، فقد شكّلت تلك التصريحات تهديدًا وجوديًا لمملكة الدنمارك، ودفعَت غرينلاند إلى التقارب أكثر مع كوبنهاغن، بينما اختارت جزر فارو، في خطوة عكست قدرًا من التضامن والبراغماتية، تعليق المفاوضات مع الحكومة الدنماركية بشأن مزيد من الحكم الذاتي، والتي كان من المقرر استئنافها مؤخرًا.
ورغم ذلك، يؤكد قادة الجزر أنهم لم يتخلوا عن طموحاتهم، بل أجّلوا طرحها في ظل ظرف دولي بالغ الحساسية.
ويقول رئيس الوزراء أكسل يوهانسن إن “هناك إجماعًا سياسيًا واسعًا على ضرورة تغيير العلاقة مع الدنمارك”، لكنه يقرّ في الوقت ذاته بأن المرحلة الراهنة تتطلب التماسك، لا التصعيد. ويعكس هذا الموقف إدراكًا متزايدًا بأن جزر فارو، مهما بلغ ازدهارها، تبقى جزءًا من توازنات أمنية أكبر منها بكثير.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية للجزر في وقوعها داخل ما يُعرف بـ“فجوة غرينلاند–أيسلندا–المملكة المتحدة"، وهي واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، بعرض لا يتجاوز 200 ميل في أضيق أجزائها.
هذا الممر يشكّل شريانًا حيويًا للغواصات النووية الروسية القادمة من القطب الشمالي إلى المحيط الأطلسي، كما يُعد منطقة دوريات مكثفة لقوات الناتو.
ويصف وزير خارجية جزر فارو السابق هوغني هويدال هذا الواقع بالقول: “الحرب الباردة القديمة تعود، ونحن في قلبها”.
هذا الموقع لم يغب عن أنظار القوى الكبرى. ففي عام 2019، سعت شركة “هواوي” الصينية إلى تحديث شبكة الاتصالات في الجزر مقابل توسيع التبادل التجاري، لكن ضغوطًا أمنية أمريكية حالت دون إتمام الصفقة.
وفي السنوات الأخيرة، ازداد وجود السفن الحربية الأمريكية وسفن دول الناتو في موانئ الجزر، في مقابل استمرار رسو سفن الصيد الروسية، وهو ما يثير مخاوف محلية من استخدامها لأغراض استخباراتية أو حتى تخريبية، خاصة في ظل حوادث قطع كابلات بحرية شهدتها مناطق أوروبية عدة.
وتزداد هذه المخاوف مع التغيير الذي طرأ على العقيدة البحرية الروسية بعد الحرب في أوكرانيا، حيث أعلنت موسكو إمكانية استخدام السفن المدنية لأغراض عسكرية عند الضرورة.
وفي السياق ذاته، يحذّر ممثل جزر فارو في البرلمان الدنماركي سيوردور سكالي من هشاشة الوضع الأمني، قائلًا: “من دون الناتو، يمكن لروسيا السيطرة علينا قبل فطور الغد”.
ورغم أن الحياة اليومية في الجزر تبدو هادئة ومستقرة - من مطاعم تقدم لحم الضأن المخمّر، إلى شبكة أنفاق متطورة تشمل حتى دوارًا تحت سطح البحر - فإن القلق الجيوسياسي يتسلل إلى النقاش العام.
ويجد سكان فارو أنفسهم أمام معادلة معقدة: طموح مشروع للسيطرة على سياساتهم التجارية والحديث بصوت مستقل على الساحة الدولية، مقابل واقع أمني يفرض الاعتماد على الدنمارك ومظلتها الأطلسية، لهذا، يفضّل كثير من القادة السياسيين في الوقت الراهن نهج “حسن النية والتضامن” مع كوبنهاغن وغرينلاند، بدل استغلال قلق الدنمارك للضغط من أجل تنازلات فورية. ويقول النائب بيارني كاراسون بيترسن، المؤيد للاستقلال: “ربما لا يكون هذا الخيار الأذكى تفاوضيًا، لكنه بادرة تضامن في وقت عصيب”.