الاستغناء عن أمريكا «حلم».. الناتو يصدم أوروبا ويرسم مسارين لغرينلاند
تصريحات «صادمة» أطلقها مارك روته الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وضعت حدا لما وصفه بـ«أوهام» الاستقلال الدفاعي الأوروبي عن أمريكا.
وأكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، في رسالة مباشرة وجّهها إلى النواب الأوروبيين، أن أوروبا لا تزال بعيدة عن القدرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بالتوازي مع الاتفاق على مسارين لاحتواء التوتر المتصاعد بشأن جزيرة غرينلاند.
- «تاريخ الناتو» يشعل «الحرب» بين ترامب وبريطانيا
- استخدمها «الناتو» مرة واحدة.. ما هي المادة الـ5 التي أثارها ترامب؟
وأكد روته، أن أي تصور لإمكانية دفاع الاتحاد الأوروبي أو القارة ككل عن نفسها بمعزل عن واشنطن «ليس سوى حلم».
وقال بلهجة حاسمة: «إذا كان أي شخص هنا يعتقد أن أوروبا تستطيع الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، فليستمر في الحلم».
وأضاف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «سيحب الفكرة لأنها ستزيد من إنهاك جيوش أوروبا وتجعلها أضعف».
وذكر روته في أنه ينبغي للدول الأوروبية مواصلة جهودها لتحمل المزيد من المسؤولية عن أمنها الخاص، بناء على طلب ترامب، ولكن في إطار التحالف عبر الأطلسي.
وفي الأسابيع الماضية، طرح كل من وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس ومفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس فكرة تشكيل قوة أوروبية.
وتجاهل روته الفكرة العامة بإيجاز، مشددا على أن ترامب والولايات المتحدة ما زالا ملتزمين بشدة بحلف شمال الأطلسي رغم حالة الضبابية التي سببتها مطالب الرئيس الأمريكي بتنازل الدنمارك، عضو الحلف، عن غرينلاند للولايات المتحدة.
وقال روته: «سيزيد ذلك الأمور تعقيدا. أعتقد أن بوتين سيحب ذلك. لذا أعيدوا التفكير».
غرينلاند.. مساران للحل
وأعلن أن مشاوراته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أفضت إلى الاتفاق على «مساري عمل» لنزع فتيل الأزمة.
المسار الأول، بحسب روته، يتم داخل إطار حلف شمال الأطلسي، ويقوم على تحمّل الناتو مسؤولية أكبر عن أمن القطب الشمالي، في ظل مخاوف متزايدة من توسّع النفوذ الروسي والصيني في المنطقة. وأكد أن الحلف هو الجهة المؤهلة لقيادة هذا الملف، عبر تعزيز الانتشار والتنسيق العسكري في الشمال.
أما المسار الثاني، فيتعلق بمواصلة الحوار السياسي المباشر بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، بعيدًا عن التصعيد، بهدف التوصل إلى تفاهمات تقلّص التوتر وتحافظ على تماسك التحالف الغربي.
فكرة الجيش الأوروبي
ورغم موقف الناتو الصارم، فإن فكرة إنشاء جيش أوروبي مشترك ليست جديدة. فقد طُرحت منذ الحرب الباردة، ثم عادت في تسعينيات القرن الماضي مع تأسيس الاتحاد الأوروبي، لكنها اصطدمت آنذاك بمعارضة أمريكية واضحة وبالالتزام الأوروبي شبه المطلق بحلف شمال الأطلسي.
واليوم، تعود الفكرة بزخم أكبر، مدفوعة بجملة تحولات استراتيجية، أبرزها الحرب في أوكرانيا، وتوترات الشرق الأوسط، وتراجع الثقة الأوروبية في استمرارية الضمانات الأمريكية، ما حوّل النقاش من ترف سياسي إلى سؤال وجودي حول مستقبل الأمن الأوروبي.
وعلى مدى عقود، بنت أوروبا أمنها على المظلة الأمريكية، سواء عبر الردع النووي أو القيادة العملياتية داخل الناتو. لكن هذا الاعتماد تحوّل تدريجيًا إلى نقطة ضعف استراتيجية.
فرغم أن أوروبا تمتلك قرابة مليوني جندي، وتنفق نحو 338 مليار دولار سنويًا على الدفاع، فإن قدراتها تظل مشتتة بين جيوش وطنية ذات عقائد وتسليح وأولويات مختلفة، ما يحدّ من فعاليتها الجماعية في مواجهة التهديدات الكبرى.
وفي المدى القريب، يبرز خيار سد الفجوات العاجلة، وعلى رأسها نقص الذخائر وضعف قابلية الجيوش الأوروبية للعمل المشترك، عبر توحيد التدريب، وتسريع الإنتاج العسكري، وتحسين التنسيق العملياتي.
أما على المدى الطويل، فيُطرح نموذج «القوة الأوروبية الهجينة»، التي لا تلغي الجيوش الوطنية، بل تبني إطارًا تكامليًا تقوده القوى العسكرية الكبرى مثل فرنسا وألمانيا وبولندا، وربما المملكة المتحدة، ضمن بنية دفاعية موحدة.
غير أن هذا المسار يصطدم بتحديات سياسية ودستورية عميقة، تتعلق بسيادة القرار العسكري، وحدود القيادة الموحدة، وقيود دستورية كما في الحالة الألمانية، إضافة إلى تحفظات دول محايدة مثل إيرلندا والنمسا ومالطا.