من البلطيق لغرينلاند.. الدنمارك تستنسخ نموذج الردع الأمريكي عبر «قوة الإنذار»
في ظل تحولات جيوسياسية كبرى يشهدها القطب الشمالي، يتصاعد التوتر بين الدنمارك والولايات المتحدة حول جزيرة غرينلاند.
وعمقت أزمة غرينلاند الخلافات عبر الأطلسي مع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السيطرة على الجزيرة بالقوة قبل أن يلوح في الأفق اتفاق محتمل.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الدنمارك تتحرك لنشر ما يعرف بـ"قوة الإنذار" في غرينلاند لردع الولايات المتحدة لكن السؤال هل ستحقق هذه القوة هدف الردع أم أنها ستؤدي إلى مزيد من التصعيد.
و"قوة الإنذار" هي قوة عسكرية صغيرة يتم نشرها في منطقة حساسة لا بهدف صد أي هجوم محتمل وهزيمة قوات العدو بل بهدف رفع كلفة الاعتداء سياسيًا وعسكريًا مما يحقق في النهاية مفهوم الردع بحسب ما ذكره موقع "ناشيونال إنترست" الأمريكي.
وأوضح الموقع أن الفكرة الأساسية هي أن أي هجوم على قوة الإنذار حتى لو كانت ضعيفة عدديًا سيؤدي إلى مقتل عدد من الجنود مما يجعل التصعيد الشامل شبه حتمي وبهذا المعنى، فإن وظيفة هذه القوة ليست الانتصار، بل "الموت" لفرض رد فعل أوسع.
وكانت الولايات المتحدة سباقة إلى هذه الفكرة حيث نشرت مجموعات صغيرة من قواتها في دول البلطيق "إستونيا ولاتفيا وليتوانيا بهدف ردع روسيا.
ففي حال عدم وجود هذه القوات يمكن أن تشن روسيا هجوما واسعا لتفرض أمرا واقعا في هذه الدول لكن الاشتباك مع جنود أمريكيين حتى لو كان عددهم قليلا سيؤدي إلى مقتل بعضهم وهو ما يعني تصعيد المواجهة لتصبح مع الولايات المتحدة.
وهذا ما تريد الدنمارك تحقيقه في غرينلاند لأن نشر قوة صغيرة عدديا لن يمنع الولايات المتحدة من التوغل في الجزيرة لكن أي اشتباك سيسفر عن مقتل جنود دنماركيين سيفرض على حلف شمال الأطلسي (ناتو) التدخل خاصة بعد نشر دول أوروبية مثل ألمانيا لعدد من جنودها.
وتشير التقارير إلى نشر قوات نخبة دنماركية في نوك عاصمة غرينلاند وفي محيط مطار كانغيرلوسواك، إضافة إلى وحدات من اللواء الأول والقوات الخاصة التي تلقت تدريبًا مكثفًا على القتال في الظروف القطبية القاسية. كما عززت البحرية الدنماركية وجودها بإرسال فرقاطة حربية إلى المنطقة.
لكن الأزمة هنا هي أن الولايات المتحدة دولة عضو في الناتو بل هي العضو الأكبر والأهم في الحلف وهو ما يضاعف المخاوف من انهيار التحالف القائم منذ 80 عاما.
وعاد الخلاف بين الولايات المتحدة والدنمارك إلى الواجهة بعدما أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطلع عام 2026 طرح فكرة تعزيز السيطرة الأمريكية على غرينلاند، معتبرًا أنها ذات أهمية استراتيجية قصوى للأمن القومي الأمريكي في ظل التهديدات الروسية والصينية المتزايدة في القطب الشمالي.
ورغم تأكيد ترامب لاحقًا في منتدى دافوس أنه لن يستخدم القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند، إلا أنه لم يتخل عن الفكرة سياسيًا، بل ألمح إلى اتفاق يمنح الولايات المتحدة حرية عمل أوسع هناك دون الوصول إلى الضم الرسمي.
وترى الدنمارك هذا الطرح الأمريكي باعتباره انتهاكًا صريحًا للنظام الدولي والقواعد التي تم إرساؤها بعد الحرب العالمية الثانية كما ترى دول أوروبية أخرى في الناتو أن الدفاع عن "السيادة الدنماركية" على غرينلاند.
ووفقا لـ"ناشيونال إنترست" فإنه بعد سنوات من الاستنزاف في الحرب بالوكالة مع روسيا في أوكرانيا، تبدو الدول الأوروبية مستعدة للدخول في مواجهة حادة مع الولايات المتحدة عند أول خلاف استراتيجي جدي وهو ما يعكس أزمة ثقة عميقة داخل الحلف.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg جزيرة ام اند امز