الولايات المتحدة لا تحتاج إلى ضم رسمي لجزيرة غرينلاند ذات الحكم الذاتي تحت مملكة الدنمارك لدواعٍ أمنية، خصوصًا عند النظر إلى كونها في إطار المنظومة الغربية وحلف الناتو، ووجود قاعدة عسكرية أمريكية فيها.
إلا أن موقعها الاستراتيجي ومواردها الضخمة من اليورانيوم والنفط والمعادن النادرة وغيرها من الموارد، فضلًا عن أهمية طرق الملاحة الجديدة، تجعلها محور اهتمام واشنطن وأمنها القومي في سعيها للبقاء والتربع على هرم النظام الدولي العالمي. وحتى مع ميل الرأي العام الغرينلاندي نحو الاستقلال، فإن واشنطن قد تحول هذا الاستقلال إلى نموذج يشبه حالة جزر مارشال، حيث يخال في ذهني أن تظل السيادة متمثلة في الشؤون الداخلية، بينما تسيطر الولايات المتحدة على الشؤون الأمنية والاستراتيجية وتحدد كيفية استغلال الموارد بينهما.
حقيقةً، أخطر ما في السيناريوهات المطروحة لغرينلاند هو تعليق القانون الدولي عمليًا وفرض السيطرة أو شكل الاستقلال بمنطق القوة والمصالح الاستراتيجية، فقد كشفت مسألة غرينلاند عن تراجع المسلّمات التي حكمت النظام الدولي بعد الحرب الباردة، خاصةً ما يتعلق بمستقبل المنظومة الليبرالية الغربية التي قادتها الولايات المتحدة بوصفها نظامًا معولمًا. وتحاول هذه القراءة تفكيك جذور هذا التآكل، وتتبع مسارات تشكّل النظام الدولي.
من الوِلسونية إلى الواقعية: تشكّل النظام الدولي الحديث
تشكل النظام الدولي العالمي المعاصر عبر مسارات تاريخية معقدة، كان من أبرز مرتكزاتها المبادئ الوِلسونية المثالية (وهي أفكار طرحها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عام 1918 ضمن «النقاط الأربع عشرة»، بهدف إعادة تنظيم العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الأولى)، ولقد انكسرت جائزة نوبل للسلام التي نالها ويلسون 1919 عن دوره في تأسيس عصبة الأمم بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، حين تكرّست الحرب بوصفها سمةً دائمة للمجتمعات الإنسانية ذات الطبيعة «الهوبزية» التي تتوقع الأسوأ من بعضها بعضًا، لذا حرمت الأمم المتحدة استخدام الحرب على عكس عصبة الأمم. ومع تحوّل الاتحاد السوفييتي، في ظل حكم جوزيف ستالين، إلى توسيع نطاق نفوذه عبر تحويل الدول والشعوب المحيطة به إلى أنظمة شيوعية بهدف تحقيق أمنه ومصالحه الاستراتيجية، لم تتجه الولايات المتحدة إلى تقاسم النفوذ الدولي معه عبر إحياء اتفاق يالطا الشهير، بل أعلنت ما عُرف بـ مبدأ ترومان في مارس 1947.
الحرب الباردة وبناء المنظومة الليبرالية الغربية
جاء مبدأ ترومان ليؤكد التزام واشنطن بدعم تركيا في مواجهة الضغوط السوفييتية على مضائقها المائية، وكذلك دعم الحكومة اليونانية في حربها الأهلية ضد الحزب الشيوعي. وقد مهّد ذلك لإطلاق مشروع مارشال (1947) الذي استهدف إعادة إعمار أوروبا وقطع الطريق أمام تمدد الشيوعية في بيئة أوروبية منهكة اجتماعيًا واقتصاديًا. وفي هذا السياق، وُلد حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949، ليتبعه لاحقًا حلف وارسو عام 1955، في تجسيدٍ عالمي للصراع الأيديولوجي بين المعسكرين.
لقد أسست الهوية الليبرالية الرأسمالية المشتركة بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية لأدوار سياسية وأمنية جماعية، كان من أبرز تجلياتها حلف الناتو. ومع اتساع دائرة الاستقلال الوطني للدول بعد الحرب العالمية الثانية، تمددت ساحة الصراع الأيديولوجي لتشمل العالم بأسره، لكنها في الوقت ذاته ضاقت بفعل احتكار القطبين الأمريكي والسوفييتي لمسارات الأمن والمصالح الدولية. ولم تكن حركة عدم الانحياز سوى محاولة للبحث عن هامش أوسع بين هذين القطبين.
نهاية الحرب الباردة وتحولات الهوية الدولية
لم يكن انتهاء الحرب الباردة انتصارًا خالصًا للرأسمالية البراغماتية الأمريكية بقدر ما كان نتيجة لتحول عميق في بنية الاتحاد السوفياتي ذاته، حين أقدم ميخائيل غورباتشوف على تفكيك الهوية الماركسية التي قسمت العالم إلى معسكرين متصارعين، وشرع في إعادة بناء الهوية السياسية والأمنية والاقتصادية للدولة. وهو مسار يشبه، من زاوية مختلفة، ما قامت به كل من اليابان وألمانيا عندما تخلتا عن الطابع الأمني الصدامي التوسعي لصالح هوية اقتصادية وتنموية.
ومع غياب لغة التصادم الأيديولوجي، برزت الهويات الثقافية والتاريخية والإثنية بوصفها عناصر فاعلة في العلاقات الدولية، إلى جانب تصاعد دور الشركات العابرة للقوميات، وتزايد وتيرة التصنيع، واستنزاف الموارد الطبيعية، فضلًا عن تحوّل المعرفة والتكنولوجيا إلى سلعة متاحة وأكثر انتشارًا.
النظام الأحادي وإشكالية القيادة الأمريكية
في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارين استراتيجيين في إعادة تعريف مصالحها وهويتها الأمنية: الأول، تقاسم الأدوار السياسية والأمنية مع روسيا والصين مع الحفاظ على موقع الريادة؛ والثاني، تعميق التدخل الدولي والسعي إلى إحداث تحولات ليبرالية وديمقراطية شاملة في العالم، انسجامًا مع أطروحة فرانسيس فوكوياما حول «نهاية التاريخ». وقد اختارت الولايات المتحدة المسار الثاني، خصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
عودة الجيوبوليتك: الجغرافيا والموارد في قلب الصراع الدولي
رغم نجاح الكتلة الغربية الليبرالية، بقيادة الولايات المتحدة، في توسيع نفوذها العالمي عبر أدوات «الجيوبوليتيكا الخضراء» المرتبطة بالتنمية المستدامة والطاقة النظيفة وجودة الحياة، فإن تطورات العقدين الأخيرين أعادت التأكيد على مركزية الجغرافيا والموارد الطبيعية في معادلات القوة الدولية والهيمنة. فقد أثبتت كل من موسكو وواشنطن أن الجيوبوليتكية التقليدية لا تزال حجر الزاوية في بقاء القوى العظمى. ولابد من إدراك هذه الحقيقة النابعة من المنظور الواقعي، لقد حوّلت الولايات المتحدة المنظومة الليبرالية الغربية من نظام فرعي إلى إطار معولم، باعتباره المسار «الطبيعي» للنظام الدولي، بينما ترى المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية وتؤكد استحالة دوام الأحادية القطبية، إذ إن صعود قوة مهيمنة واحدة يقود حتمًا إلى تشكّل قوى موازِنة.
مخاطر تفكك المنظومة الغربية وحلف الناتو
يواجه حلف الناتو والمنظومة الليبرالية الغربية اليوم تهديدات داخلية وخارجية متزامنة، أبرزها صعود التيارات القومية الشعبوية واليمين المتطرف في أوروبا، بما تحمله من نزعات قومية ومحافظة ثقافية وعرقية تلامس الفاشية الاجتماعية. ويُضاف إلى ذلك سعي موسكو وبكين إلى تقويض البنية الجيوبوليتيكية الغربية المرتبطة بالمعلومات، والتحويلات المالية، وأنظمة التأمين، والملاحة البحرية، عبر بناء فضاءات بديلة خارج الهيمنة الغربية.
غرينلاند كنقطة اختبار لإرادة الهيمنة الأمريكية
تكشف مسألة جزيرة غرينلاند، بما تمتلكه من ثروات طبيعية هائلة وأهمية استراتيجية في الممرات البحرية القطبية الناشئة، عن استعداد واشنطن للذهاب بعيدًا في الحفاظ على موقعها في هرم النظام الدولي، حتى لو جاء ذلك على حساب تماسك المنظومة الغربية ذاتها وحلف الناتو، سواء عبر السعي للضم، أو الدفع نحو الانفصال وإعادة التشكيل الفيدرالي أو أي إطار أمني وسيادي يخدم بقاء تربع واشنطن على هرم النظام الدولي العالمي.
أوروبا بين واشنطن وبكين: سيناريوهات ما بعد التفكك
يفتح تصور تفكك المنظومة الغربية الباب أمام احتمالات توجّه بعض الدول الأوروبية نحو الصين لموازنة الهيمنة الأمريكية، خاصة في ظل شعور متزايد بأن واشنطن لم تعد تتجاوز القوانين فحسب، بل باتت تتجاوز الهوية الغربية ذاتها. غير أن هذا المسار قد يكون آنيًا وتكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا.
السيناريو الأكثر عمقًا يتمثل في احتمال توجه أوروبا، بقيادة ألمانيا، نحو تشكيل تكتل اقتصادي وصناعي وأمني مستقل عن واشنطن، مع انفتاح ومشاركة منظمة مع روسيا، وبما يوازي في الوقت ذاته صعود العملاق الصيني. وفي حال تحقق هذا التصور، ستتراجع المنظومة الليبرالية الغربية من إطار معولم إلى نظام فرعي داخل نظام دولي عالمي متعدد الأقطاب.
الخاتمة: تدحرج خاتم الليبرالية الغربية
تكشف قضية غرينلاند عن هشاشة المنظومة الغربية، حيث لم تعد الليبرالية الغربية تمثل خاتم السلطة والشرعية، بل صارت حلقة قابلة للتأرجح بين القانون والقوة. في هذا الواقع، لم يعد البقاء على قمة النظام العالمي مرهونًا بالقيم المشتركة أو الأعراف الدولية، بل بالقدرة على إعادة تشكيل التحالفات واستخدام القوة الصلبة وفق مصالح الدول الكبرى.
فأوروبا والكتلة الغربية أمام اختبار حاسم: هل ستصنع هويتها في هذا العالم عبر تعدد الأقطاب، أم تُجبر على إعادة ترتيب نفسها وفق هندسة القوة التي تفرضها واشنطن؟ سقوط الخاتم الأيديولوجي الغربي "ليس مجرد حادثة رمزية، بل إعلان صامت عن نهاية عصر وولادة متعثرة لعالم تُعيد فيه القوة رسم حدود الشرعية والهيمنة".
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة