قرار سيادي يطوي صفحة الدور العسكري، ويؤكد مسؤولية المرحلة القادمة على الأطراف الأخرى.
أعلنت دولة الإمارات إنهاء وجود ما تبقى من قواتها العسكرية في اليمن بكافة اختصاصاتها، في خطوة سيادية مدروسة تأتي ضمن تقييم شامل لمتطلبات المرحلة الحالية، وبما ينسجم مع التزاماتها الثابتة في دعم أمن واستقرار المنطقة. هذا القرار لا يمكن قراءته بوصفه انسحابًا متعجلًا، بل هو تتويج لمسار استراتيجي بدأ في وقتٍ سابق، ويعكس نضج السياسة الإماراتية في إدارة الأزمات، والانتقال المنظم من الدور العسكري إلى منطق خفض التصعيد ودعم المسارات السياسية.
منذ انطلاق عمليات التحالف العربي عام 2015، أدّت الإمارات دورًا محوريًا في دعم الشرعية اليمنية، ووقف تمدد مليشيات الحوثي المدعومة من إيران، وتأمين الجنوب (شمال صعدة)، الذي يشكل التهديد الرئيسي للمملكة العربية السعودية، ومكافحة التنظيمات الإرهابية، وحماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
ولم يكن هذا الدور ظرفيًا أو هامشيًا، بل شكّل ركيزة أساسية في منع انهيار كامل للدولة اليمنية، وفي الحد من تحوّل اليمن إلى ساحة مفتوحة للفوضى والتهديدات العابرة للحدود.
كما استثمرت الإمارات بشكل منهجي في بناء القدرات المحلية، عبر تدريب عشرات الآلاف من أفراد القوات اليمنية، لتمكينهم من تولي مسؤوليات الأمن ومواجهة التحديات على الأرض. هذا النهج يعكس فلسفة إماراتية واضحة تقوم على تمكين الشركاء المحليين، لا تكريس الاعتماد الدائم على القوات الخارجية، وهو ما يجعل قرار المغادرة اليوم جزءًا من منطق استدامة الحل، لا التخلّي عنه.
المغادرة الإماراتية جاءت منظمة وتدريجية، وبالتنسيق الكامل مع المملكة العربية السعودية، إدراكًا لمخاطر أي فراغ أمني قد ينجم عن انسحاب مفاجئ. وقد تزامن هذا المسار مع تطورات ميدانية، أبرزها تراجع وتيرة العمليات العسكرية، وحالة الجمود في الحديدة بعد اتفاق ستوكهولم 2018، بما يشير إلى تغير في طبيعة الصراع مقارنة بسنواته الأولى.
في هذا السياق، تؤكد الإمارات مجددًا أن سياستها الخارجية تقوم على ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب منطق الحوار والحلول السياسية المدعومة دوليًا، باعتبارها الطريق الوحيد المستدام لتحقيق السلام. وهو نهج لم يكن يومًا شعارًا إعلاميًا، بل ممارسة عملية تجسدت في قرارات صعبة، من بينها إنهاء الدور العسكري المباشر رغم تعقيدات المشهد.
الثاني من يناير/كانون الثاني 2026، ومع طي صفحة الوجود العسكري الإماراتي في اليمن، تصبح مسؤولية المرحلة المقبلة على عاتق الأطراف اليمنية أولًا، ومعها القوى الإقليمية والدولية المعنية. أما دولة الإمارات، فقد أدّت ما عليها، وقدّمت إسهامًا حاسمًا في حماية أمن المنطقة، ودعم الشرعية، ومكافحة الإرهاب، وبناء قدرات محلية قادرة على الاستمرار.
إن ما بعد المغادرة الإماراتية يمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية الأطراف الأخرى في الانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة والسلام. وتنطوي صفحة الدور العسكري بعد أن أدّت واجبها كاملًا، وتركت الساحة وقد استكملت مهمتها، سياسيًا وأمنيًا وإنسانيًا.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة