أرى أن أخطر ما في بعض الخلافات السياسية ليس الخلاف ذاته، بل ما يستيقظ على هامشه.
فالاختلاف بين الدول أمر طبيعي تحكمه المصالح وتغيّر السياقات، لكن غير الطبيعي هو ذلك الفيض من الخطابات التي تتجاوز الخلاف لتتحول إلى شيطنة وتعميم وتعبئة عاطفية، تبدو أوسع من الملف المطروح وأعمق من لحظته.
في مثل هذه اللحظات لا أتوقف عند الخلاف بحد ذاته، بل عند الأصوات التي تظهر فجأة وكأنها كانت في حالة انتظار. أصوات لا تناقش السياسات بقدر ما تستثمر الخلاف، ولا تشرح الوقائع بقدر ما تعيد إحياء سرديات قديمة ظلت لسنوات في حالة كمون. هذا الصمت السابق، في تقديري، لم يكن مراجعة فكرية بقدر ما كان إدراكًا لميزان القوة، وانتظاراً لتغيّر الظرف.
ما يلفت الانتباه أن هذه الخطابات نادرًا ما تقدّم قراءة سياسية هادئة أو تحليلًا متزنًا للقرارات. بدلًا من ذلك نرى انتقالًا سريعًا نحو التشكيك والتعميم وضرب الثقة. هنا، لا يعود الهدف فهم الخلاف أو حتى نقده، بل نقله من مستواه السياسي إلى مستوى الوعي، حيث يصبح الخلاف أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمعات، لا مجرد اختلاف بين سياسات.
ومن وجهة نظري، هذا هو التحول الأخطر. فالخطاب القائم على الاستقطاب لا يوجه أثره إلى الخارج فقط، بل ينعكس على الداخل أيضًا. حين يُدفع الفرد إلى تبنّي سردية تقوم على الشك والاصطفاف الحاد، لا يكون ذلك موقفًا سياسيًا فحسب، بل إعادة صياغة لعلاقته بدولته وبمجتمعه، وبفكرة الانتماء نفسها. هنا تبدأ الأسئلة الصامتة، ويظهر الانقسام غير المعلن، وتتآكل المناعة المجتمعية دون ضجيج.
الخلافات السياسية يمكن إدارتها، والتحالفات قد تتراجع ثم تعود، والمصالح تُعاد صياغتها مع الزمن.
لكن حين تنتقل العداوات من طاولة السياسة إلى وعي المجتمعات، يصبح الزمن نفسه جزءًا من الصراع. وهذا ما يقلقني تحديدًا، لأن تصدّع الوعي لا يُرمم بسهولة، ولا يُعالج بقرار سياسي أو بيان رسمي.
لهذا، تبدو بعض الخطابات في أوقات التوتر أشد حدّة من مواقف صناع القرار أنفسهم. حدّة لا يفسرها الملف المطروح، بل يفسرها تاريخ مؤجل من الإحباط، ورغبة في الانتقام الرمزي، أو محاولة كسر معادلة كانت سببًا في تراجع مشروع ما في مرحلة سابقة. هذا النوع من الخطاب لا يسعى إلى حل، بل إلى إطالة الأزمة، لأنه يتغذى على الشروخ لا على التفاهمات.
في رأيي، النقد السياسي المشروع يظل محددًا، عقلانيًا، ومرتبطًا بوقائع واضحة، وقابلًا للنقاش والاختلاف. أما حين يتحول الخطاب إلى شيطنة واستدعاء أخلاقي انتقائي، فغالبًا ما يكون ذلك مؤشرًا لا على قوة الحجة، بل على عمق الدافع غير المعلن.
الخطر الحقيقي إذن لا يكمن في الخلاف نفسه، بل في سوء قراءته وتركه مفتوحًا أمام خطابات تعيش على الاستقطاب. فإذا أُدير الخلاف بعقل الدولة، بقي في حدوده الطبيعية. أما إذا تُرك ليستثمره من اعتاد العمل تحت الرماد، فإنه يتحول من اختلاف سياسي عابر إلى أزمة وعي طويلة الأمد، تمس الداخل قبل الخارج، وتُدفع كلفتها لاحقًا من رصيد الاستقرار والثقة، حين يكون الترميم أصعب من المنع.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة