شكّل الطابع العابر للحدود أحد أهم مصادر قوة جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها.
إذ أتاح لها تجاوز القيود الوطنية، وبناء شبكات ممتدة تشمل فروعًا تنظيمية، ومؤسسات مالية، وواجهات إعلامية ودعوية وتعليمية، مكّنتها من إعادة إنتاج نفسها في بيئات سياسية وثقافية متباينة.
غير أن قرار التصنيف الأمريكي يوجّه ضربة مباشرة لهذا النموذج التنظيمي، ويضعه أمام تحديات غير مسبوقة تهدد جوهر بنيته ووظيفته.
ويفرض التصنيف قيودًا صارمة على حركة الأفراد والموارد، ويؤدي إلى تجميد الأصول وحظر التعامل مع الكيانات المرتبطة بالجماعة داخل الولايات المتحدة.
ولا يقتصر الأثر هنا على البعد المالي، بل يمتد إلى تعطيل آليات التنسيق العابرة للحدود، وإضعاف الروابط التي شكّلت العمود الفقري للتنظيم الدولي.
ومع تضييق قنوات التمويل والحركة، تصبح قدرة الجماعة على الحفاظ على تماسكها التنظيمي موضع شك متزايد، خاصة في ظل اعتمادها التاريخي على المرونة الشبكية لا على المركزية الصلبة.
كما يرفع القرار من مستويات الانكشاف القانوني، إذ تتحول أنشطة كانت تُدار في مناطق رمادية قانونيًا إلى أفعال عالية المخاطر، قابلة للملاحقة القضائية والمساءلة الجنائية.
ويُربك ذلك عمل المؤسسات والواجهات التي لعبت أدوارًا محورية في دعم الجماعة وتوفير الغطاء السياسي والإعلامي لها، سواء في المجال الدعوي أو الأكاديمي أو الحقوقي، ويحدّ من قدرتها على الاستمرار بالوتيرة نفسها أو على جذب متعاطفين جدد.
إلى جانب ذلك، يفاقم التصنيف الأزمات الداخلية البنيوية التي تعانيها الجماعة أصلًا، وعلى رأسها الانقسامات القيادية والصراعات حول الشرعية والتمثيل وإدارة الموارد.
ففي ظل الضغوط المتزايدة، يصبح الحفاظ على وحدة القرار أكثر صعوبة، وتتراجع القدرة على فرض الانضباط التنظيمي، ما يدفع نحو مزيد من التشظي والتباعد بين الفروع، ويُضعف مركزية المشروع الإخواني ذاته.
ومع تقلّص المساحات الآمنة في الغرب، تفقد الجماعة إحدى أهم ساحات إعادة التموضع التي اعتمدت عليها تاريخيًا في مواجهة الحظر والملاحقة في بلدان المنشأ.
فالتنظيم الذي برع طويلًا في التكيّف عبر الانتقال الجغرافي والعمل الشبكي يجد نفسه اليوم أمام بيئة دولية أقل تساهلًا، وأكثر استعدادًا لتجفيف مصادر قوته التنظيمية والمالية، ما يُدخل بنيته العابرة للحدود في حالة من الانكماش القسري.
وهكذا، لا يقتصر أثر التصنيف على تقليص النشاط أو إضعاف بعض الفروع، بل يمتد إلى إعادة تشكيل التنظيم ذاته، ودفعه نحو التحول من شبكة دولية مترابطة إلى كيانات محلية مفككة، محدودة الارتباط والتنسيق، وأقل قدرة على التأثير في مسارات السياسة الإقليمية والدولية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة