في لحظات تتشابك الأزمات وتتزايد الضبابية في شكل النظام العالمي، جاءت زيارة رئيس الوزراء الكندي إلى بكين لتطرح سؤالًا بسيطًا في ظاهره، عميقًا في دلالاته: لماذا الآن؟
في العاصمة الصينية، التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ برئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في زيارة لم تكن بروتوكولية بقدر ما كانت سياسية بامتياز.
فقبل أقل من ثلاثة أشهر فقط، جمعهما لقاء سابق في مدينة غيونغجو الكورية، أعاد فتح قنوات الحوار بعد فترة من التباعد، ومهّد لعودة أكثر هدوءًا للعلاقات الصينية– الكندية.
الرسائل الصادرة عن اللقاء بدت واضحة: الطرفان يريدان إعادة التعاون إلى مساره الطبيعي.
الرئيس شي تحدث عن نقاشات معمّقة ونتائج ملموسة، مؤكدًا أن استقرار العلاقات الثنائية لا يخدم بكين وأوتاوا فقط، بل ينعكس إيجابًا على السلام والتنمية عالميًا.
لكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن السياق الدولي تبدو ناقصة، فالعالم اليوم يعيش مرحلة تنافس حاد بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة، من دون قواعد واضحة أو نهاية قريبة لهذا الصراع المفتوح.
وفي هذا المشهد المضطرب، تجد دول مثل كندا نفسها أمام اختبار صعب: كيف توازن بين تحالفاتها التقليدية ومصالحها الوطنية، دون أن تتحول إلى مجرد تابع أو تفقد هامشها المستقل في السياسة الخارجية؟
من هنا، تبدو زيارة بكين خطوة محسوبة تعكس عودة إلى الواقعية السياسية، فالصين ليست مجرد قوة سياسية صاعدة، بل شريك اقتصادي لا يمكن تجاهله، وسوق ضخم، وعنصر رئيسي في استقرار سلاسل الإمداد العالمية.
أما بكين، فترسل بدورها رسالة مختلفة: علاقاتها الخارجية تقوم على الاحترام المتبادل، لا على فرض النماذج أو التدخل في الخيارات الداخلية للدول. وهو ما لخصه الرئيس شي في أربعة مبادئ أساسية: الاحترام المتبادل، التنمية المشتركة، تعزيز الثقة بين الشعوب، والتعاون متعدد الأطراف.
بهذا المعنى، لا تعكس الزيارة اصطفافًا جديدًا أو انقلابًا في المواقف، بل محاولة عقلانية لإعادة ضبط العلاقات وفق منطق المصالح المشتركة، بعيدًا عن مناخ الاستقطاب الحاد.
الأهم من التوقيت هو ما تحمله الزيارة من دلالات، فهي تؤكد أن اختلاف النظم السياسية أو الخصوصيات الوطنية لا يمنع بناء علاقات مستقرة قائمة على الاحترام المتبادل، واحترام السيادة، وحق كل شعب في اختيار مسار تنميته.
وفي عالم يزداد انقسامًا، لم يعد التعاون بين الدول ترفًا سياسيًا أو شعارًا أخلاقيًا، بل أصبح ضرورة عملية.
فالأزمات العابرة للحدود—من الأمن والاقتصاد إلى تغيّر المناخ—لا تعترف بالاستقطاب، ولا يمكن مواجهتها بعالم منقسم. من هنا، تكتسب مثل هذه الزيارات أهميتها الحقيقية: ليس لأنها تحلّ كل الخلافات، بل لأنها تذكّر بأن الحوار والعمل المشترك ما زالا ممكنين.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة