مدير كرنفال أوسو لـ«العين الإخبارية»: تونس ترسل رسالة محبة للعالم عبر الفن والتراث
كرنفال أوسو في سوسة يعيد إحياء التراث التونسي بعروض فنية وعربات ضخمة تجمع بين الفن والتاريخ والسياحة.
تزيّنت مدينة سوسة الساحلية في تونس، الجمعة، بأجواء احتفالية استثنائية مع انطلاق فعاليات الدورة الثالثة والستين من كرنفال "أوسو"، أحد أبرز المواعيد الثقافية والسياحية التي تجمع بين الفن والتراث والأجواء الصيفية.
وشهد كورنيش المدينة المطل على شاطئ بوجعفر الشهير عروضًا كرنفالية لافتة، وسط حضور جماهيري كبير، حيث جابت عربات استعراضية صُممت بأيادٍ تونسية، وحملت رموزًا وشخصيات ضخمة تعكس خصوصية المدينة الساحلية وتاريخها الثقافي.
ويعد كرنفال "أوسو" من أهم الفعاليات الصيفية في سوسة، إذ يقدم مزيجًا من العروض الفنية والموسيقية والمجسمات الاحتفالية التي تستعيد جانبًا من الذاكرة الشعبية التونسية، وتحوّل شوارع المدينة إلى مساحة مفتوحة للفن والفرجة.
كرنفال يجمع الفن والسياحة والتراث
لا يقتصر دور كرنفال أوسو على الجانب الترفيهي، بل يمثل حدثًا ثقافيًا يسعى إلى تعزيز مكانة سوسة كوجهة سياحية وثقافية واقتصادية، من خلال تقديم صورة مختلفة عن المدينة تجمع بين تاريخها العريق وحضورها المعاصر.
وتعمل هذه التظاهرة على تنشيط الحركة السياحية في المنطقة خلال الموسم الصيفي، عبر استقطاب الزوار من داخل تونس وخارجها، إضافة إلى دعم الفنانين والمبدعين المشاركين في تصميم وتنفيذ العروض.
وتتميز دورة هذا العام بشعار "أوسو... فن وتراث"، وهو شعار يعكس الرغبة في الربط بين الإبداع الحديث والمحافظة على الهوية الثقافية التونسية، وفق رؤية تهدف إلى إبراز الموروث الشعبي بطريقة تتناسب مع الأجيال الجديدة.
جذور تاريخية تعود إلى الفينيقيين
يحمل كرنفال "أوسو" تاريخًا طويلًا يعود إلى حقبة الفينيقيين، حيث ارتبط اسمه بطقوس قديمة مرتبطة بالبحر والصيف، قبل أن يتحول مع مرور الزمن إلى احتفال شعبي وثقافي بارز في مدينة سوسة.
وترتبط كلمة "أوسو" بالتقويم الأمازيغي، وتشير إلى فترة تمتد لنحو أربعين يومًا تبدأ في 25 يوليو/تموز، وهي فترة تعرف بارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.
وخلال فترة الاستعمار الفرنسي، عُرف الكرنفال باسم "سانتا ماريا"، قبل أن يستعيد هويته المرتبطة باسم "أوسو"، الذي ارتبط في المعتقدات الفينيقية بإله البحر، وتحول لاحقًا إلى رمز ثقافي حاضر في الاحتفالات السنوية بالمدينة.

عربات ضخمة ورسائل ثقافية من سوسة إلى العالم
وقال وليد بن حسن، مدير المهرجان، لـ"العين الإخبارية"، إن كرنفال أوسو يهدف إلى تقديم "رسالة محبة من سوسة إلى العالم"، مؤكدًا أن دورة هذا العام حرصت على تقديم عروض جديدة ومبتكرة تحافظ على روح المهرجان.
وأوضح أن العروض تتضمن عربات استعراضية تحمل رموزًا مختلفة، من بينها عربة "تونس عاصمة السياحة العربية"، وعربة "رجل قرطاج العملاق"، إلى جانب عربات تجسد "رباط سوسة" وعربة "الثقافة".
وأشار إلى مشاركة عدد من الفنانين في تصميم وتنفيذ هذه الأعمال، بينهم محمود الخليفي وأحمد التليلي، بما يعكس التعاون بين مختلف مجالات الإبداع الفني لإخراج كرنفال يحمل هوية تونسية واضحة.
وأكد مدير المهرجان أن كرنفال أوسو حافظ على حضوره الدولي، حيث تشارك في الدورة الحالية فرق أجنبية من بينها فرقة من بولونيا وأخرى من الجزائر، إلى جانب عدد من الضيوف الدوليين.
"بابا أوسو".. الشخصية التي أصبحت رمزًا للكرنفال
يرتبط تاريخ كرنفال أوسو أيضًا بشخصية "بابا أوسو"، التي تعد من أبرز رموزه البصرية، حيث تأسس الكرنفال عام 1957 على يد الناشط الثقافي عبد الحفيظ بوراوي، بالتعاون مع الفنان محمد الزرقاطي، الذي ابتكر العرض المسرحي لهذه الشخصية.
واستوحت شخصية "بابا أوسو" من لوحة الفسيفساء الشهيرة التي اكتشفت في سوسة، والتي تصور صراع الإله نبتون، لتتحول لاحقًا إلى رمز حي يظهر سنويًا ضمن فعاليات الكرنفال.
وتجسد هذه الشخصية الرابط بين التاريخ القديم للمدينة والاحتفال الحديث، حيث أصبحت جزءًا من هوية المهرجان وعنصرًا أساسيًا في ذاكرة سكان سوسة وزوارها
احتفال يحافظ على هوية سوسة
على مدار أكثر من ستة عقود، نجح كرنفال أوسو في الحفاظ على مكانته كواحد من أبرز الفعاليات الثقافية في تونس، بفضل قدرته على الجمع بين التراث والفن والسياحة.
ويمنح الكرنفال مدينة سوسة فرصة سنوية لإظهار ثروتها الثقافية والتاريخية، عبر عروض تعكس تنوع المجتمع التونسي وثراء موروثه.
ومع استمرار فعاليات الدورة الثالثة والستين، يؤكد كرنفال أوسو أن التراث يمكن أن يبقى حاضرًا عندما يُقدَّم بأسلوب يجمع بين الأصالة والتجديد، ليظل واحدًا من العلامات المميزة لصيف سوسة وذاكرة تونس الثقافية.
