في لحظات التاريخ الفاصلة، لا تقاس قوة الدول فقط بما تملكه من قدرات عسكرية، بل بما تظهره قيادتها من ثبات وحضور في قلب الحدث.
ومن هنا جاءت كلمات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، من داخل المستشفى، حيث كان يزور مصابين مدنيين جراء الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج، لتتجاوز حدود التصريح السياسي العابر وتتحول إلى رسالة متكاملة المعاني.
لم يكن المشهد عاديا. قائد دولة يقف إلى جانب خمسة جرحى من جنسيات مختلفة- إماراتيين اثنين ومقيمين من الهند والسودان وإيران- ليؤكد أن سلامتهم "أمانة في الرقبة".
في تلك اللحظة، كانت الرسالة الإنسانية واضحة مفادها أن دولة الإمارات تنظر إلى كل من يعيش على أرضها بعين المسؤولية نفسها، فلا فرق بين مواطن ومقيم حين يتعلق الأمر بالأمن والحماية.
لكن اختيار الوقوف إلى جانب جريح إيراني تحديدا يحمل دلالة أعمق. ففي حرب الروايات التي تشهدها المنطقة، تقدم الإمارات نموذجا نادرا. قائد يحتضن مواطنا من الدولة التي تقف خلف الاعتداء، ليؤكد أن الإنسانية عنده لا تخضع لحسابات السياسة. هذه الصورة وحدها تنزع من الخصم ورقة الدفاع عن المدنيين قبل أن يفكر في استخدامها.
خلف هذه اللفتة الإنسانية، كانت هناك رسالة سياسية أعمق. فالإمارات، كما قال رئيس الدولة بوضوح، ليست مجرد نموذج للازدهار والاستقرار في المنطقة، بل دولة تمتلك القدرة على الدفاع عن هذا النموذج. لذلك جاءت عبارته الحاسمة لتختصر معادلة الردع: "الإمارات مغرية، الإمارات جميلة، الإمارات قدوة. لكن لا تغشكم الإمارات، ترى الإمارات جلدها غليظ ولحمها مُر، لا يؤكل".
هذه الكلمات لم تكن مجرد تعبير بلاغي، بل إعلان واضح بأن الاستقرار الذي تعيشه الإمارات يقوم على منظومة دولة قوية بمؤسساتها وجيشها ومجتمعها المتماسك.
وفي هذا السياق، حرص رئيس الدولة على توجيه التحية إلى المؤسسة العسكرية وإلى الأجهزة الأمنية والدفاع المدني، مؤكدا أن ما قدمته هذه المؤسسات خلال هذه المرحلة يعكس جاهزية الدولة وقدرتها على إدارة التحديات. كما أشاد بالمواطنين الذين وصف أداءهم بأنه "يفرح ويشرف" قبل أن يوجه رسالة تقدير للمقيمين الذين وصفهم بـ"الضيوف والأهل" مثمنا مواقفهم خلال هذه الظروف الاستثنائية.
غير أن كلمات رئيس الدولة لم تكتف بطمأنة الداخل، بل حملت أيضا رسالة ردع واضحة إلى الخارج، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدا خطيرا، خاصة مع استمرار الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
ولعل العبارة التي ختم بها رئيس دولة الإمارات حديثه تختصر روح هذه المرحلة: "أوعد الجميع ترانا بنظهر أقوى من قبل".
وهي ليست مجرد وعد، بل تعبير عن فلسفة قيادة ترى في الظروف الاستثنائية لحظات لإظهار قوة الدولة وتماسك مجتمعها.
وسط هذا المشهد، تبدو رسالة الإمارات واضحة وهي أن الدولة ماضية في حماية أمنها واستقرارها، ولن تسمح لأي تهديد بأن يزعزع نموذجها أو يختبر صلابة مؤسساتها.
كما أن رسالة الردع هذه تأتي في سياق أن الإمارات كانت ولا تزال تدعو إلى التهدئة والحوار، كما هو واضح في سياستها الخارجية المتوازنة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة