تُعرف قوة الدول بما تملكه من قدرات عسكرية أو اقتصادية، غير أن هناك اختبارا آخر أكثر عمقا لا يظهر إلا في لحظات التوتر والتهديد، حيث يتجلى السؤال الحقيقي، كيف يتصرف المجتمع الذي يعيش داخل هذه الدولة عندما يقترب الخطر؟
في مثل هذه اللحظات تتكشف حقيقة النماذج الاجتماعية، فالشعارات التي تُرفع في أوقات الازدهار قد تتلاشى عند أول اختبار حقيقي، بينما تبقى القيم التي ترسخت في الوعي الجمعي قادرة على إظهار أثرها عندما تتعرض الدول للضغط.
وفي هذه الأيام، ومع تصاعد التهديدات التي تستهدف دولة الإمارات، برز مشهد لافت يستحق التوقف عنده طويلا، فلم يكن الأمر مجرد تماسك داخلي بين المواطنين فحسب؛ إذ ظهر موقف واضح من المقيمين من مختلف الجنسيات، عربا وأجانب، الذين اختاروا أن يكونوا جزءا من حالة الدفاع المعنوي عن الدولة، وتصدى كثير منهم لحملات التشكيك والدعوات التي حاولت تصوير دولة الإمارات كبيئة غير آمنة أو الدعوة إلى مغادرتها.
هذا الموقف لم يكن رد فعل مؤقت، فقد كشف عن مستوى عميق من الثقة تشكّل عبر سنوات طويلة من التجربة المشتركة، فالكثير من إخواننا المقيمين لم يتعاملوا مع دولة الإمارات باعتبارها محطة عمل مؤقتة أو مجرد مكان للإقامة، وإنما باعتبارها مساحة حياة منحَتهم الاستقرار والكرامة وفرصة بناء مستقبل واضح.
وفي هذا المشهد ما يدعو إلى تأمل أوسع في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في عالم اليوم، فهناك تجارب عديدة نجحت في جذب العقول ورؤوس الأموال، غير أن اختبار اللحظات الصعبة يكشف فارقا مهما بين دولة توفر فرصة للعيش، ودولة تنجح في بناء شعور حقيقي بالانتماء لدى من يعيش على أرضها، ففي بعض النماذج تبقى العلاقة مع الدولة مرتبطة بعقد مصلحة واضح، علاقة تبدأ بالفرصة وتنتهي عند أول شعور بعدم اليقين.
أما في دولة الإمارات، فقد تشكّل عبر السنوات ما يمكن وصفه بـ«مجتمع الثقة»، مجتمع يتجاوز حدود الجنسية ليقوم على احترام متبادل وتجربة حياة مشتركة تجعل استقرار الدولة مسألة شخصية لكل من يعيش على أرضها.
وإذا كان لهذا المشهد جذور، فإنها تعود إلى الأساس الذي قامت عليه تجربة دولة الإمارات منذ بداياتها، فالقيم التي وضعها -المغفور له- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لم تكن مجرد مبادئ سياسية، وإنما رؤية إنسانية تقوم على فكرة أن الأرض التي تتسع للجميع تصبح أكثر قوة واستقرارا، فقبل قيام دولة الإمارات، كانت أرض الإمارات مساحة يلتقي فيها التجار والبحارة والوافدون من ثقافات متعددة، وتنشأ بينهم علاقات تعايش واحترام متبادل أصبحت لاحقا جزءا من روح هذا المجتمع.
ومع قيام الاتحاد، تحولت تلك الروح إلى نهج دولة يقوم على التسامح والتعايش واحترام التنوع الإنساني، مع الحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه. ومع مرور السنوات، لم تبق هذه القيم في إطار الخطاب الرسمي، فقد تحولت إلى تجربة يومية يعيشها الملايين ممن اختاروا الإمارات وطنا للحياة والعمل.
لهذا لم يكن مستغربا أن يظهر أثر هذه التجربة اليوم، فعندما حاول البعض نشر الخوف أو الدعوة إلى الهروب، جاء الرد من كثير من المقيمين مختلفا، ثقة في القيادة، واطمئنانا إلى قدرة دولة الإمارات على حماية الجميع، وإصرار على البقاء في المكان الذي وجدوا فيه الأمن والكرامة.
بالنسبة لكثير من الإماراتيين، كان لهذا الموقف أثر معنوي عميق، ليس لأنه أظهر تضامنا في لحظة صعبة فحسب، وإنما لأنه كشف أن القيم التي قامت عليها دولة الإمارات لم تبق حكرا على مواطنيها، فقد أصبحت جزءا من التجربة المشتركة لكل من يعيش على أرضها.
وهذا ربما أحد أجمل إنجازات دولة الإمارات في مسيرتها الحديثة، أن تبني دولة يشعر فيها الملايين بأنهم يعيشون تحت مظلة واحدة من الاستقرار والاحترام، وأن يصبح الدفاع عن استقرارها موقفا يتقاسمه الجميع، كلٌ من موقعه، لأن ما يجمعهم في النهاية ليس مجرد الإقامة… وإنما الثقة في نموذج دولة اختار منذ البداية أن يضع الإنسان في قلب مشروعه.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة