على مدى العقدين الماضيين، انتقلت الإمارات العربية المتحدة بخطى سريعة ملحوظة من هامش الخريطة العالمية إلى مركز الاهتمام الدولي.
فقد أصبحت مركزًا للأعمال والتمويل، ورائدة في الابتكار والتكنولوجيا، ونموذجًا يُحتذى به في كفاءة الحكومة، ومرجعًا في البنية التحتية، وجودة الحياة، والسياسات المستقبلية. ومع كل إنجاز جديد، ارتقى ترتيبها في المؤشرات العالمية للتنافسية والتنمية والتقدم.
ومع كل خطوة جديدة إلى الأمام، برزت ظاهرة موازية في الفضاء الرقمي وهي حملات إعلامية منسقة تسعى إلى تشويه قصة النجاح هذه، وهي حملات نابعة من الاستياء، لا من الحقائق. وما يُشنّ اليوم ضد الإمارات عبر بعض المنصات الرقمية ليس نقدًا نزيهًا أو نقاشًا مشروعًا، بل هو مزيج من حجج جاهزة، واتهامات لا أساس لها، وشائعات جامحة تنهار عند أدنى تدقيق.
ما تكشفه هذه الحملات، أكثر من أي شيء آخر، ليس ضعف دولة الإمارات، بل إحباط القائمين على تلك الحملات. إنها البصمة الرقمية لاستياء عميق: استياء أولئك الذين شاهدوا الإمارات تتقدم بثبات بينما يكافحون لمواكبة هذا التقدم؛ والذين يرون اسمها يرتفع في المؤشرات العالمية بينما يتراجع أداؤهم؛ والذين يشهدون تدفق الاعتراف الدولي نحو الإمارات بدورها وحضورها المميز دوليا.
وبدلاً من أن يسألوا: "ماذا يمكننا أن نتعلم من هذا النجاح؟"، يسألون: "كيف يمكننا إسقاطه؟".
في منطقة وعالم يتسم بالاضطرابات وعدم الاستقرار والغموض، اختارت دولة الإمارات مساراً مختلفاً: التخطيط طويل الأجل، والتنويع، والاستثمار في رأس المال البشري، ورؤية واضحة ومتسقة، وشيدت الإمارات بنية تحتية عالمية المستوى، وفتحت أبوابها للمواهب، واستثمرت في النساء والشباب، ووضعت نفسها جسراً بين الشرق والغرب، وانطلقت في استكشاف الفضاء، والطاقة النظيفة، والخدمات اللوجستية المتقدمة، واقتصاد المعرفة - ليس كشعارات، بل كمشاريع ومؤسسات ملموسة.
هذا المسار لم يجعل الدولة أكثر ازدهاراً فحسب، بل أكثر بروزاً، ومع البروز تأتي التدقيق، ومع الريادة تأتي المنافسة. بالنسبة للبعض، اتخذت هذه المنافسة شكلاً صحياً: شراكة، وتعاون، وجهود لمحاكاة النماذج الناجحة. أما بالنسبة للبعض الآخر، فقد اتخذت شكلاً مظلماً تتمثل في حملات تشويه، ونظريات مؤامرة، ومحاولة شبه قهرية لتشويه سمعة كل إنجازات الإمارات.
المفارقة واضحة، المؤشرات التي تجذب إعجاب العالم - الاستقرار، والنمو، والابتكار، والانفتاح - هي نفسها التي تُشعل هذه الهجمات الرقمية. الإمارات ليست مستهدفة رغم نجاحها، بل بسببه.
لكن ما أزعج حقًا مُدبّري هذه الحملات ليس ما تقوله الإمارات، بل ما ترفض قوله، فبدلًا من الانزلاق إلى معارك إلكترونية لا تنتهي، اختارت الإمارات ردًا مختلفًا إلى حد كبير وهو الصمت، مقرونًا بمواصلة العمل.
لا يُضيّع المسؤولون وقتهم في تبادل الشتائم مع حسابات مجهولة. ولا تُوقف المؤسسات خططها لدحض كل شائعة. ولا تسمح الدولة بأن تُملى عليها أجندتها عبر وسوم مُختلقة في الخفاء.
هذا "التجاهل" للضجيج هو تحديدا ما أشعل غضب من يقفون وراءه. توقعوا من الإمارات أن ترد باندفاع، وأن تفقد رباطة جأشها، وأن ترد الإهانة بالإهانة.. أرادوا مشهدا، تصعيدا متبادلا يمنحهم الظهور والشرعية. لكنهم وجدوا دولةً تُواصل عملها ببساطة - البناء، والتخطيط، والافتتاح، والتفاوض، وإطلاق مبادرات جديدة، بينما تعصف العواصف الرقمية وتتلاشى في وقتها.
الصمت، في هذا السياق، ليس ضعفا، بل هو استراتيجية. إنه ثقة دولة تدرك أن سجلها الحافل يتحدث بصوت أعلى من أي حملة تشويه واسعة الانتشار. إنه هدوء قيادة تفهم أن الساحة الحقيقية ليست قسم التعليقات على منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، بل العالم الواقعي: المطارات، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والمؤسسات الثقافية، والبرامج الإنسانية التي تُلامس حياة الناس يومياً.
ربما تتجلى الفجوة بين الشائعات والواقع بوضوح في التناقض بين الكراهية الرقمية وما يختبره الزوار والمقيمون فعلياً في دولة الإمارات العربية المتحدة. فبينما يختلق المنتقدون القصص على الإنترنت، يعيش ملايين الأشخاص ويعملون ويستثمرون في الدولة، مستفيدين من أمانها وخدماتها وفرصها. وتواصل الشركات العالمية اختيارها مقراً لها. وتواصل المنظمات الدولية عقد مؤتمراتها وفعالياتها على أراضيها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة